الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤٨ولِأَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَاخْتِيرَ عَنْ مَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ مَاءٌ نَشَأَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَبُوهُ وإسْمَاعِيلُ. ويُبْحَثُ بِأَنَّهُ اخْتِيرَ لِأَنَّهُ يُقَوِي الْقَلْبَ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وأَحْوَالِ الإِسْرَاءِ، وَلِيَسْكُنَ الرّوعُ فَلَا يُقَالُ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ماءِ الْكَوْثَرِ بِالذَّاتِ، ولا روعَ فِي الْجَنَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنْزَعَ بِمَاءِ الْكَوْثَرِ، فَلَيْسَ مَاءُ الْكَوْثَرِ غَيْرَ صَالِحٍ لِنَزْعِ الرّوعِ، بل انْتَفَى مَحَلُّ الروع، وأَيْضًا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالكَوْثَرِ لَا بِزَمْزَمَ، وَأَيْضًا الْكَوْثَرُ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى نَبِيهِ الله وزَمْزَمُ مِمَّا [مَنَّ] (1) بهِ على نَبِيئِهِ إِسْمَاعِيلَ الةِ. وَمِنْ حَوَاصِهِ أَنَّهُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
وقَدْ يُقَالُ: غُسِلَ بِهِ لِمَا ذُكِرَ فِي شَأْنِهِ ولإِظْهَارِ شَرَفِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لِلْآخِرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ أَحَدٌ لَمْ
يَظْمَأْ بَعْدُ.
بَلْ قَدْ جَاءَ فِي "صحِيح الْبُخَارِي: ((مَنْ) شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِلْأَمْنِ مِنَ الْعَطَشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُعْطِيَهُ)). وهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)).
وقال ابن الرّفعة (): الماءُ النَّابِعُ مِن بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ (ة). ونَقُولُ لَمْ يُغْسَلْ بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَلَا يُشْكِلُ على قَولِهِ صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ) () () () لِأَنَّ النَّابِعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ غَيْرُ موجودٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَتْ رَوَايَةٌ بِغَسْلِ صَدْرِهِ و رِوَايَةٌ بغَسْلِ قَلْبِهِ، فَنَقُولُ غُسِلَا جَمِيعًا، وَأَرَادَ بِغَسْلِ الصَّدْرِ غَسْل الصَّدْرِ كُلِّهِ حَتَّى الْقَلْبِ.
وذكر الْقَلْبِ خَاصَّةً فِي رِوَايَةٍ لِمَزِيَّتِهِ، وَلِأَنَّ غَسْلَ بَقِيَّةِ الصَّدرِ مِنْ أَجْلِ الْقَلْبِ، وَهَذَا لِكَوْنِهِ مَحَلَّا لَتَوَسُّعِ الْخَيْرِ، أَوْلَى مِمَّا هُوَ أَظْهَرُ في التَّأْوِيلِ بِحَسَبِ مُطْلَقِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصَّدْرِ الْقَلْبَ
(1) لعله نسي من المؤلّف، لتتمة المعنى.
(2) لم أقف عليه في صحيح البخاري. (3) المستدرك، الحاكم، حديث (1739).
(4) أحمد بن محمد بن علي المعروف بـ: ابن الرَّفْعَة ت: 710 هـ فقيه شافعي، من فضلاء مصر. كان محتسب القاهرة وناب في الحكم، له كتب،
منها: كفاية النبيه في شرح التنبيه للشيرازي، مطالب المعاني في شرح وسيط الغزالي. طبقات الشافعية، السبكي، 24/ 9،
ومعجم المؤلفين، رضا كحالة،
282/ 1
(5) شرح المواهب، الزرقاني، 67/ 8.
(6) المعجم الكبير، الطبراني، حديث (11167).
(7) شرح المواهب، الزرقاني، 67/ 8.
581