الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٠واسْتَدَلَّ بَعْضُ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ فِي لَيْلَةٍ غَيْرِ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّ الإِسْرَاءَ إِلَيْهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي قَوْلِهِ: ((فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّماءَ الدُّنْيَا)) (1) فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ سَارَ بِهِ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْجَمْعِ بِأَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلى مَا ذُكِرَ، وَاخْتَصَرَهُ بِالاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَايَةِ، ولَفْظُ "ثمَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وفِي رِوَايَةِ مُسلِم عَنْ ثَابِت الْبُنَانِي عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَتَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى بِهِ ثُمَّ عَرَجَ إِلَى
السَّماءِ)) (3).
وقَدْ قِيلَ: الحِكْمَة فِي الإِسْرَاءِ بِهِ رَاكِبًا، مَعَ القُدْرَةِ عَلَى طَيِّ الْأَرْضِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لَهُ بِالْعَادَةِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إيصالُهُ بِلَا رُكُوبٍ، وفي ذلكَ خَرْقُ الْعَادَةِ بِقَطع الْمَسَافَةِ البَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، الْعَادَةُ أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا اسْتَدْعَى مَنْ يَخْتَصُّ بِهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ بِمَرْكُوبٍ سَنِي، يَحْمِلُهِ عَلَيْهِ فِي وِفَادَتِهِ
وجرت
إلَيْه (4).
والبُرَاقُ مُشْتَقٌ مِنَ الْبَرِيقِ وَهُوَ المعَانُ، وقَالَ عِياضُ: سُمِّيَ الْبَرَاقُ لِكَوْنِهِ ذَا لَوْنَيْنِ، يُقَالُ: شَاةٌ بَرْقَاءُ، إِذَا كَانَ فِي خِلَالِ صُوفِهَا الأَبْيَض طَاقَاتٌ سُودٌ، وَلَا يُنَافِيهِ وَصْفُهُ فِى الحَدِيثِ بِأَنَّهُ أَبْيَضُ لِأَنَّ الْبَرْقاءَ مِنَ الغَنَمِ مَعْدُودَةٌ فِي البيض (3)، ويُبْحَثُ بِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَمْ يَثْبُتُ بِعَيْنِهِ لِلْبُرَاقِ.
6 (5)
ومَا قِيلَ إِنَّ صَدْرَهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ضَعِيفٌ، وقِيلَ مُشْتَقٌ [218 و] مِن الْبَرْقِ، وَهُوَ مَا يَلْمَعُ مِنَ السَّحَابِ، لِشَبَهِهِ بهِ فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِسْمًا لَهُ بِدونِ مُرَاعَاةِ مَعْنى، وصَحَ أَنَّهُ يَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ
مُنْتَهَى مَا يَرَى بَصَرُهُ (6).
(1) سبق تخريجه: صحيح البخاري، حديث (3887). (2) شرح المواهب، الزرقاني، 69/ 8 - 70.
(3) صحيح مسلم، حديث (259). (4) شرح المواهب، الزرقاني، 70/ 8.
(5) (م) س)، 74/ 8.
(6) (م، س)، 74/ 8.
583