إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٦

الْفِطْرَةَ))). والرَّكْعَتَانِ غَيْرُ الصَّلاةِ التِي صَلَّاهَا بِالْأَنْبِنَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ فَهُمَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهَا، وعَرْضُ الآنِيَةِ بعْدَ الصَّلاة بِالْأَنْبِقَاءِ، وَالْفِطْرَةُ: الْإِسْلَامُ.

ورَوَى أَبُو يَعلَى وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءً فَشَربَ مِنْهُ قَلِيلًا، وفِي لَفْظ فلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ إِنَاءً آخَرَ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ مِنْهُ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ إِنَاءً آخَرَ فِيهِ حَمْرٌ، فَقِيلَ اشْرَبْ، قَالَ: لَا أُرِيدُ قَدْ رَويتُ فَقَالَ جِبْرِيلُ ال: أَمَا إِنَّهَا سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ. قال ابْنُ دِحْيَةَ وقَدْ تَكُونُ الإِشَارَةُ بِاللَّبَنِ إِلَى أَنَّهُ شِعَارُ الْعِلْمِ فِي التَّعْبِيرِ كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ بِقَدْحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى أَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ نَاوَلْتُ فَضْلِي عُمرَ بنَ الْخَطَّابِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ ما أَوَّلْتَهُ؟ قَالَ: الْعِلْمُ))) والإِسْرَاءُ وَلَوْ كَانَتْ يَقَظَةً إِلَّا أَنَّهُ رُبَّما وَقَعَتْ فِي الْيَقَظَةِ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ الْفَالِ، فَيُعبِّرُ كَمَا يُعَبِّرُ فِي الْمَنَامِ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْإِسْرَاءَ فِي اللَّيلِ وحَيْثُ لا يعرفُ مِنْ قَبْلُ والْمَشْرُوبُ مِنَ الْمَلَكُوتِ، وَلِذَا كَانَ يُحِبُّ الفَأْلَ الْحَسَنَ، وَكَأَنَّهُ لمَّا مُلِئَ قَلْبُهُ إِيمَانًا وحِكمَةً أَرْدَفَ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا، ويَجْعَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ شُرْبَ اللَّبَنِ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَرَادُفِ الْعُلُومِ وشَحْنِ الْقَلْبِ النَّبَوِيِّ بِأَنْوَارِها.

وفَسَّرَ النَّوَوِي الْفِطْرَةَ هُنَا بالإِسْلَامِ والإِسْتِقامَةِ، وفُسِرَت الْفِطْرَةُ في الآيةِ بِذَلِكَ، وَبِخِلْقَتِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْحَقِّ وَتَمَكَّنِهِم مِنْ إِدْرَاكِ [ه]، وبِالْعَهْدِ يَوْمَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قَالَ النَّوَوِي: اخْتَرْتَ عَلَامَةَ الإِسْلامِ وعَلامَةَ الاسْتِقَامَةِ وكانَ اللَّبْنُ عَلَامَةً لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْيَضُ طَيِّبٌ لذِيدٌ طَاهِرٌ سَائِعٌ لِلشَّارِبِينَ لَا يَغُصُّ فِي طَوْقِهِمْ، سَلِيمُ الْعَاقِبَةِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ (5).

قال: الْخَمْرُ أُمُّ الْفَوَاحِش وأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، مَنْ شَرِبَها ترَكَ الصَّلاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وعَمَّتِهِ)) () رواهُ الطَّبَرَانِي.

وقَالَ الْقُرْطُبِي فِي شَرْحِ مُسْلِم: يحْتَملُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَسْمِيَةِ اللَّبَنِ فِطْرَةً،

(1) صحيح مسلم، حديث (259).

(2) مسند البزار، حديث (9518). البخاري، حديث (7006).

(3)

(4) شرح المواهب، الزرقاني، 97/ 8.

(5) شرح المواهب، الزرقاني، 97/ 8. ينظر قول النووي في المنهاج، ص 200.

(6) المعجم الأوسط، الطبراني، حديث (3134).

(7) في شرح المواهب: قال القرطبي شارح مسلم في "المفهم".

599