الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٠دِحْيَةَ وابْنُ المَنَيْرِ وابْنُ كَثِير إِنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ فَتَكْرِيرُ جِبْرِيلَ لَهُ التَّصْوِيبَ تَأْكِيدٌ فِي التَّحْذِيرِ لَهُ عَن الْخَمْرِ، بَلْ وَعَن الْمَاءِ الْمُورِثِ لِلْغَرَقِ.
وأَنْكَرَ حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَانِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا رَبْطَ الْبُرَاقِ بِالحَلَقَةِ. رَوَى أَحْمَدُ والتَّرْمِذِي مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: ((يُحَدِّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ، أَخَافَ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُ؟ وقَدْ سَخَّرهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)) (1) قال الشهيلي (2) والنَّوَوِيّ (3): في رَبْطِهِ الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ والحوطَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ، وَلَا يُنَافِي التَّوَكُل.
وأَنْكَرَ أَيْضًا حُذَيْفَةُ صَلَاتَهُ صلى الله عليه وسلم بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُم الصَّلَاةُ فِيهِ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُم الصَّلاةُ في الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. ويُجَابُ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِي وابْنُ كَثِير: بِأَنَّ الْمُثْبِتَ مَقدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وجُمْهُورُ الصَّحابةِ أَثْبَتُوا الرَّبْطَ والصَّلَاةَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْمُثْبِتُ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ).
ولا نُسَلِّمُ فَرْضَ الصَّلاةِ فِيهِ عَلَى صِحَّةِ صَلاتِهِ فِيهِ، إِذْ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا كُلُّ مَا فَعَلَ، وَأَمَّا بِلَا فَرضِ فَقَدْ أُمِرَ بالصَّلَاةِ فِيهِ وَفِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وذَكَر شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الثَّلَاثَةِ. وَرَوَى بريدة عِنْدَ البَزَّارِ عَنْهُ: لمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي أَتَى جِبْرِيلُ الصَّحْرَةَ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَضَعَ أُصْبُعَهُ فِيهَا فَخَرقَهَا، فَشَدَّ بِهَا [224] البُرَاقَ))) ونَحْوُهُ لِلتِّرْمِذِي وَابْنِ حِبَّانَ والْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنْ بِريدَة.
قالَ الْبَرْقِيّ: جَمِيعُ الْمِيَاهِ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ هَذِهِ الصَّحْرَةِ، وهِي صَمَّاءُ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، كجَبَلٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، مُعَلَّقَةٌ لَا يُمْسِكُهَا إِلَّا اللهُ، وَفِي أَعْلَاهَا مَوْضِعُ قَدَمِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَكِبَ البُرَاقَ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ، فَمَالَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مِنْ هَيْبَتِهِ، وَفِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى أَثَرُ أَصَابِعِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي
(1) مسند أحمد، حديث (23285)، وسنن الترمذي، حديث (3147).
(2) الروض الأنف، 261/ 3.
(3) المنهاج، النووي، ص 200.
(4) شرح المواهب، الزرقاني، 102/ 8.
(5) فتح الباري، 208/ 7، وشرح المواهب، الزرقاني، 102/ 8.
(6) مسند البزار، حديث (4398).
603