الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨١وقالَ ابْنُ دِحْيَةَ: إِنَّما لَمْ تُهَيَّأْ لَهُ بِالْفَتْحِ قَبْلَ مَجِيئِهِ، وإِنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي الإِكْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَأَىهَا مَفْتُوحَةً لَظَنَّ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ كَذلِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنَّهُ فُعِلَ لِأَجْلِهِ، ولأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ (1).
والْمُرَادُ بِقَوْلِهِم: "أُرْسِلَ إِلَيْهِ وقَوْلِهِمْ: "بُعِثَ الدُّعاءُ لِلْعُرُوج لَا الْبِعْثَةِ، لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ لَا تَخْفَى، وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ قَدْ خَفِيَ عَلَى قَائِلِي ذَلِكَ بِعْثَتُهُ لاشتِغَالِهِمْ بِالعِبَادَةِ، وقِيلَ: سَأَلُوا تَعَجُّبًا مِنْ نِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَوِ اسْتِبْشَارًا بِهِ، وقَدْ عَلِمُوا أَنَّ بَشَرًا لَا يَتَرَقَى هَذَا التَّرَقِي إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ جِبْرِيلَ لَا يَصْعَدُ بِمَنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ سُؤَالًا حَقِيقًا).
قلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَرَفُوا [227] أَنَّهُ سَيَعْرُجُ، ولَكِنَّهُمْ كَمَنْ قَالَ أَهَذَا وَقْتُ الْعُرُوجِ الْمَوْعُودِ؟ وقِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ إِطلاعَ نَبِيلِهِ عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمَلَأُ الأَعْلَى لِأَنَّهُمْ قَالُوا: "وقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ" أَوْ "أُرْسِلَ إِلَيْهِ" فَدَلَّ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنْ سَيَقَعُ لَهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ اسْتِفْهَامٍ، وإِلَّا قَالُوا "ومَنْ مُحَمَّد" ولِذَا أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ: "مَرْحَبًا بِهِ" و "لَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " (3).
جَاءَ (3).
وقَالَ ابن المنير: قَوْلُهُمْ "أُرسِلَ إِلَيْهِ" أَوْ "بُعِثَ اسْتِنْطَاقُ لِجِبْرِيلَ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْإِذْنِ والفَتْح؛ لأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: مَعِي مُحَمَّدٌ لَا يُوجِبُ الإِذْنَ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْبَعْثِ مِن اللهِ تَعَالَى، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الإِذْنُ فِي إزَالَةِ الْمَوَانِعِ وفَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَلَمْ يَتَوَقَّفَ الْخَازِنُ عَلَى أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِالْفَتْحِ؛ لأَنَّهُ لَزِمَ عِنْدَهُ مِنَ الْبَعْثِ الإِذْنُ).
وأمَّا قَوْلُهُمْ: مَنْ مَعَكَ؟ فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُم أَحَسُّوا بهِ الهلال، رَفِيقًا، وإلا كانَ السُّؤالُ أَمَعَكَ أَحَدٌ؟ وَهَذَا الإِحْسَاسُ بِمُشَاهَدَةٍ، لِكَوْنِ السَّمَاءِ شَفَافَةً لا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا، وإِمَّا لِأَمْرِ مَعْنَوِيّ كَزِيَادَةِ أَنْوَارٍ. واستَظْهَرَهُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ كَأَنَّهُمْ قَالُوا مَن الشَّخْصُ الذِي مِنْ أَجْلِهِ هَذِهِ الرِّيَادَةُ؟ (5)
(1) شرح المواهب، الزرقاني، 121/ 8
(2) (م، س)، 121/ 8.
(3) (م، س)، 121/ 8 - 122.
(4) (م، س)، 122/ 8. (5) (م، س)، 122/ 8 - 123.
614