الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٦وأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيّ وغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ مُوسَى ال: تَزْعُمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ [229] أَنِّي أَكْرَمُ بنِي آدَمَ عَلَى اللهِ، وهَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ خَلَفَنِي فِي الدُّنْيَا، وأَنَا فِي الأُخْرَى، فَلَوْ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أَبَالِ ولَكِنْ مَعَ كُلّ نَبِيءٍ أُمَّتُهُ)) (1) وزادَ سعيد بن يحيى (2) فِي رِوَايَتِهِ: ((لَوْ كَانَ هَذَا
وَحْدَهُ لَهَانَ عَلَيَّ، وَلَكِنْ مَعَهُ أُمَّتُهُ وهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَمِ عِنْدَ اللهِ)) وَهَذَا غِبْطَةٌ لَا حَسَدٌ.
وفِي حَدِيثِ مَالِك
بن
صَعْصَعَةَ: ((ولَمَّا جَاوَزْتُهُ بقِيَ مُوسَى يَبْكِي فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ
هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ مِنْ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي))). وفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ): ((أَنَّهُ مَرَّ رَسُولُ اللهِ بمُوسَى ال يرْفَعُ صَوْتَهُ فَيَقُولُ أَكْرَمْتَهُ وفَضَّلْتَهُ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا مُوسَى، قُلْتُ: مَنْ يُعَاتِبُ؟ قَالَ: يُعَاتِبُ رَبَّهُ، قُلْتُ: وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ)).
قُلْتُ: ذَلِكَ غِبْطَةٌ مِنْهُ اللهِ وغَيْظٌ عَلَى قَوْمِهِ إِذْ كَثُرَتْ مِنْهُم الْمُخَالَفَةُ، وأسف عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ حَسَنَاتِ كُلِّ أُمَّةٍ فِي صَحِيفَةِ نَبِيئِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقُصَ عَنْهَا. وَلَعَلَّهُ بَكَى مُتَضَرِّعًا لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهُ ثَوَابًا بِقَدْرِ مَنْ خَالَفَ أَيْضًا مِنْ أُمَّتِهِ بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ، ل ل له عَرُوسَ الْمَمْلَكَةِ وَبَرَكَةِ الْوَقْتِ. ويَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَكَى تَبْشِيرًا لِرَسُولِ الله له وادْحَالًا لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ بِالْإِخْبَارِ بِكَثْرَةِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ وكَذَا فِيمَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْغِبْطَةِ، أَسْمَعَهَا إِيَّاهُ تَبْشِيرًا فَأَسْمَعَهُ الْأَلْفَاظَ والبُكَاءَ لِلتَّبْشِيرِ، وَكَذَا أَسْمَاهُ غُلَامًا تَبْشِيرًا لَهُ بِقِلَّةِ مَا مَضَى مِنْ سِنِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وتَبْشِيرًا بأنَّ فِيهِ قُوَّةَ الشَّبَابِ وَلَوْ بَلَغَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ الْمُسْتَجْمِعَ لِلسِّنِ غُلَامًا مَا دَامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الْكُهُولَةِ، فَذَلِكَ مَدْحَ لَهُ بِقُوَّةِ الشَّبَابِ مَعَ سِنِّهِ بِفَضْلِ اللهِ.
(1) الحديث في تهذيب الآثار، الطبري، حديث (727)، وجامع البيان، الطبري 424/ 14، ولم أجده في مسند البزار، ولا في دلائل النبوة للبيهقي. (2) الأموي، صاحب المغازي، تنسب له ولأبيه. ت: 241 أو 250 هـ. ينظر ترجمته: تاريخ الإسلام، الذهبي، 1145/ 5.
(3) فتح الباري، ابن حجر، 211/ 7. (4) شرح المواهب، الزرقاني، 133/ 8.
(5) صحيح مسلم، حديث (264).
(6) ورد بلفظ قريب، حلية الأولياء، أبو نعيم، 386/ 10. (7) شرح المواهب، الزرقاني، 133/ 8. وفتح الباري، 211/ 7.
619