إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٩٠

وقيل: الاقْتِصارُ عَلَى المَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ الله له مِنْ قَوْمِهِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَكَانَ يُحِبُّ الْقَالَ لَكِنْ لَيْسَ كُلَّ مَا كَانَ يَحْسُنُ فِي طَبْعِ الْخَلْقِ فَمِنْهُ مَا يَكْرِهُ، فَآدَمُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَكَانَ فِيهَا فِي أَمْنِ اللهِ وجِوَارِهِ، وشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْها، وعَادَ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَذلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَمَّن اللهِ وحَرَمه، وهِي مَحْبُوبَةٌ لَهُ مَأْلُوفَةٌ، وشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وكَانَتْ فِي يَدِهِ، قَالَهُ السُّهِيْلِي). وزادَ تِلْمِيذُهُ ابنُ دِحْيَةَ وتبعَهُ ابْنُ الْمُنَيّرِ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهَا عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ بِالدِّينِ وتَرْبِيَةِ أَهْلِهِ واِتِّخَاذِ الأَنْصَارِ فِي الْهِجْرَةِ، كآدَمَ عمرَ الأَرْضَ بِأَوْلَادِهِ، ولَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كِلِهِ، وزُوِيَت الأَرْضُ لَهُ الله حَتَّى رَأَى مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وقَالَ: ((لَيَبْلُغَنَّ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) (2) واتَّفَقَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هشام بن عبد الملك جُبِيَ إِلَيْهِ خَرَاجُ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَانَ إِذَا نَشَأَتْ سَحابَةٌ يَقُولُ: أَمْطِرِي حَيْثُ شِئْتِ فَسَيَصِلُ إِلَيَّ خَرَاجُكِ).

وأمَّا يَحْيَى وَعِيسَى؛ فَيَحْيَى قَتَلَتْهُ الْيَهُودُ، وعِيسَى كَذَّبُوهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَرَفَعَهُ اللهُ، وَكَذلِكَ لمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ الله إِلَى الْمَدِينَةِ آذَتْهُ اليَهُودُ وظَاهَرُوا عَلَيْهِ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ حَتَّى سَمّوا لَهُ شَاةٌ، وَأَرَادُوا إِلْقاءَ رَحًا عَلَيْهِ. [230] وقَالَ: ((مَا زَالَتْ أُكْلَة خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَالآنَ قَطَعَتْ أَبْهَرِي)) فَقَتَلُوهُ بِذَلِكَ السُّمِّ في الشَّاةِ كَمَا قَتَلُوا يَحْيَى. ونَصَرَهُ الْأَوْسُ والخَزْرَجُ بَعْدَ أَن اسْتَنْصَرَهُمْ فِي مَوَاسِم الْحَجِّ كمَا قَالَ عِيسَى: مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللهِ، طَلَبَ الأَنْصَارَ لِلْحُروج إِلَى بَدْرٍ فِي السَّنةِ الثَّانِيَةِ مِن الْهِجْرَةِ، فَفِي لِقَاءِ عِيسَى في السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ إِشَارَةٌ لِذَلِكَ.

وفِي لِقَاءِ يُوسُفَ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِ الْعَاقِبَةِ لَهُ، فَإِنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ بَعْدَمَا لَقِيَ مِن قَرَابَتِهِ قُرَيشِ الْأَذَى الشَّدِيدَ، كَمَا لَقِيَ يُوسُفُ مِنْ إِخْوَتِهِ، قَالُوا لَهُ: أَخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أَحْ كَرِيمٍ، وَقَالَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يوسف: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وهُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُم الطُّلقَاء؛ أَيْ: لَا أَسْرَ

ولَا قَتْلَ ولَا سَبْيَ وَلَا غُنْمَ وَلَا اسْتِرْقَاقَ.

(1) ينظر: الروض الأنف، 275/ 3.

(2) صحيح مسلم، حديث (19). (3) شرح المواهب، الزرقاني، 143/ 8 - 144 (4) ورد بمعناه، مسند البزار، حديث (8007).

623