الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٢وقَالَ السُّهَيلِيّ: لِقَاءُهُ فِي السَّادِسَةِ لِمُوسَى يُوذِنُ بِحَالَةٍ تُشْبِهُ حَالَةَ مُوسَى حِينَ أَمَرَهُ بِغَزْوِ الشَّامِ، فظهرَ عَلَى الْجَبَابِرَةِ، وأَدْخَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَلَدَ الذِي خَرَجُوا مِنهُ، بَعْدَ إِهْلَاكِ عَدُوّهِمْ، وَكَذلِكَ غَزَا رَسُولُ اللهِ الله تبُوكَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَظَهَرَ عَلَى صَاحِبِ دومَة الجَنْدَل حَتَّى صَالَحَهُ عَلَى الْجِزِيَةِ بَعْدَ أَنْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، وافتَتَحَ مَكَّةَ ودَخَلَ أَصْحَابُهُ الْبَلَدَ الذِي خَرَجُوا مِنْهُ).
وقال ابنُ دِحْيَةَ: يُوذِنُ لِقَاءُهُ في السَّادِسَةِ بِمُعَالَجَةِ قَوْمِهِ، فَإِنَّ مُوسَى ابْتُلِيَ بِمُعَالَجَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ والصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُم، ومَا عَالَجَهُ الْمُصْطَفَى الله فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لَمْ يُعَالجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْله. وفِيها افتتح خيبر وفدك وجَمِيعَ حُصُونِ الْيَهُودِ، وَكَتَبَ اللهُ عَلَيْهِم الْجَلاءَ وضَرَبَهُمْ بِسَوْطِ الْبَلَاءِ. وَعَالَجَ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ السَّنةِ كَمَا عَالَجَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ، أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الشَّرِيعَةَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وحَمَلَ قَوْمَهُ عَلَى ذَلِكَ فَتَقَاعَدُوا عَنْهُ، وقَالُوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ، وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا، وَقَالُوا: لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، فَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وحَالَ بَيْنَهُم وبَينَها وأَوْقَعَهُم فِي التِّيهِ. وَكَذَلِكَ أَرَادَ. السَّادِسَةِ أَنْ يَدْخُلَ بِمَنْ مَعَهُ مَكَّةَ يُقِيمُ بِهَا شَرِيعَةَ اللهِ وسنَّةَ إِبْرَاهِيمَ فَصَدُّوهُ فَلَمْ يَدْخُلْهَا فِي هَذَا
في
الْعَامِ (2).
ووَقَعَ التَّنْبِيهُ بِإِبْرَاهِيمَ العَلَا فِي اسْتِنَادِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُور بِما خَتَمَ اللهُ لَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ إِقَامَةِ نُسُكِ الْحَجِّ، وتَعْظِيمِ البيت الحرام. قَالَ السُّهَيْلي: لِقَاءُهُ إِبْرَاهِيمَ فِي السَّابِعَةِ لِحِكْمَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُور بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، وإِلَيْهِ تَحُجُّ الْمَلَائِكَةُ، كمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ، وَأَذَّنَ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ إِلَيْهَا، وَالثَّانِيةُ أَنَّ آخِرَ أَحْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم حَجُّهُ إِلَى الْبَيْتِ الحَرَامِ، وَحَجَّ مَعَهُ ذَلِكَ الْعَامِ نَحْو مِنْ تِسْعِينَ أَلْفًا، ورُؤْيَةُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أهل التعبير تُوذِنُ بِالْحَجّ؛ لأَنَّهُ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَرَافِعُ قَوَاعِدِ الْكَعْبَةِ). وقال ابنُ دِحْيَةَ مُنَاسَبَةُ لَقْيِهِ الله لإِبْرَاهِيمَ فِي السَّابِعَةِ [231] أَنَّهُ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِن الْهِجْرَةِ، ودَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُلِينَ مُعْتَمِرِينَ مُجِيبًا لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ ال ومُقِيمًا لِرَسْمِهِ الذِي أَمَاتَت الْجَاهِلِيَّةُ ذِكْرَهُ، وبَدَّلَتْ أَمْرَهُ، ورُؤْيَةُ إِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فِي السَّابِعَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ دَخَلَةٍ دَخَلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَالْكَعْبَة فِي الْأَرْضِ قِبَالَة الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وفِي قَوْلِهِ: "فإذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَرْجِعونَ إِلَيْهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ" إِشَارَةٌ
(1) ينظر: الروض الأنف، 276/ 3، وشرح المواهب، الزرقاني، 147/ 8. (2) شرح المواهب، الزرقاني، 147/ 8.
(3) ينظر: الروض الأنف، 276/ 3، وشرح المواهب، الزرقاني، 148/ 8.
625