الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٩أَقْلَامِ الْمَلَائِكَةِ في كِتَابَة، من أَقْضِيَةِ اللهِ مِنَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، والْمَعْنَى الْمَكْتُوبُ قَدِيمٌ، وَهَذِهِ الْكِتَابَة
في
صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ.
والمَنَاسَبَة بَيْنَ هَذَا الْمِعْرَاجِ التَّاسِعَ والْعَامِ التَّاسِعِ مِن الْهِجْرَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي غزوة تبوك خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فِى ثَلَاثِينَ أَلْفًا، والشُّقَّةُ بَعِيدَةٌ ولِذَلِكَ أَفْصَحَ بِهَا، وَلَمْ يُورِ، وَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا، وَلَمْ يَفْتَحْ بَلَدًا؛ لأَنَّ أَجَلَ الشَّامِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، فَانْتَسَخَ الْعَزْمَ بِالْقَدَرِ وَجَفَافِ الْقَلَمِ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَقَارُ، والسَّكِينةُ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَابِ عِنْدَ انْصِرَافِ الْعَزِيمَةِ.
وذَكَر ابْنُ الْقِيمِ أَنَّ الْأَقْلَامَ اثْنَا عَشَرَ فَلَمَّا، وَأَنَّها مُتَفَاوِتَةٌ فِي الرُّتَبِ؛ فَأَعْلَاهَا وأَجَلُّها قَلَمُ الْقَدَرِ السَّابِقِ الذِي كَتَبَ اللهُ بِهِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ رَوَاهُ أبو داود عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَم قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُب؟ قَالَ: اكْتُبْ
(2)
مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ (((1) زادَ التَّرْمِذِيّ: ((ومَا هُوَ كَائِنْ إِلَى الْأَبَدِ)) ((أ. هـ. حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (3). قالَ الْقُرْطِيّ: هَذَا الْقَلَمُ هُوَ الذِي أَقْسَمَ اللهُ بهِ)، والثَّانِي قَلَمُ الْوَحْيِ، وَالثَّالِثُ قَلَمُ التَّوْقِيعِ
به
[237] وهُوَ الذِي يَكْتُبُ بِهِ مَا صَدَرَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ والرَّابِعُ قَلَمُ طِبّ الْأَبْدَانِ الَّذِي يَحْفَظُ صِحَّتَهَا، وَالْخَامِسُ قَلَمُ التَّوْقِيعِ عَنِ الْمُلُوكِ ونُوَّابِهِم وبِهِ تُسَاسُ الْمُلُوكُ، وَالسَّادِسُ قَلَمُ الْحِسَابِ وَهُوَ الذِي تُضْبَطُ بِهِ الْأَمْوَالُ، مسْتَخْرَجهَا ومَصْرِفَهَا ومَقَادِيرَهَا وهُوَ قلَمُ الْأَرْزاقِ، والسَّابِعُ قَلَمُ الْحُكْمِ الذِي تُثْبَتُ بِهِ الْحُقُوقُ وتُنْفَذُ بِهِ القَضَايَا، والثَّامِنُ قَلَمُ الشَّهَادَةِ الذِي تُحْفَظُ بِهِ الْحُقُوقُ، والتَّاسِعَ قَلَمُ التَّغْيِيرِ، وهُوَ كَاتِبُ وَحْيِ الْمَنَامِ وتَفْسِيره وتَغْيِيره، والعاشِرُ فَلَمُ تَوَارِيخِ الْعَالَمِ وَوَقَائِعِهِ، وَالحَادِي عَشَر فَلَمُ اللُّغَةِ وتَفَاصِيلها، والثَّانِي عَشَرَ الْقَلَمُ الْجَامِعُ، وهُوَ قَلَمُ الرَّةِ عَلَى الْمُبْطِلِينَ وَدَفْعِ شُبَهِ الْمُحَرِّفِينَ (5).
والقَلَمُ الكَاتِبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظٍ أَوَّلُ مَحْلُوقٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَ الْعَرْشِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ الْعَرْشُ،
وأَوَّلُ الْخَلْقِ عَلَى الإِطْلَاقِ نُورُ سَيّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مِنْ نُورٍ
(1) سنن أبي داود، حديث (4700).
(2) سنن الترمذي، حديث (2155).
(3) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 80/ 3. (4) لم يذكر القسطلاني أنَّ هذا من قول القرطبي.
(5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 80/ 3 - 81، نقلا من التبيان في أيمان القرآن، ابن القيم، ص 303 وما بعدها.
642