الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٤عَن الخُطبَةِ والشَّفاعَةِ مَنْ هُوَ لَهَا، وقَالَ كُلٌّ مِنْهُم نَفْسِي نَفْسِي. ولأَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا كَذَّبُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ وآذَوْهُ أَشَدَّ الْأَذَى أَرَاهُ اللهُ النَّارَ المُعَدَّةَ لهُم تَأْنِيسًا لقَلْبِهِ،
ولِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مَنْ طَيِّبِ قَلْبَهُ بِالاِنتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِ فَأَوْلَى لَهُ أَنْ يُطَيِّبَهُ فِى أَوْلِيائِهِ بِالشَّفَاعَةِ والإِكْرَامِ، ولِيَعْلَمَ مِنَّةَ اللهِ حِينَ أَنْقَذَهُم مِنْهَا بِبَرَكَتِهِ
وشَفَاعَتِهِ (1).
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غُفْرَانِ ذَنْبِهِ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يَعُدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ ذُنُوبًا فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّنَا، لِعِظَمِ إِكْرَامِ اللهِ لَهُ.
وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والسُّبْكِي: الْمُرَادُ تَشْرِيفُهُ بِأَنَّهُ لَوْ كانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ لَغُفِرَتْ (2). وقَالَ عِيَاضٍ عَنْ بَعْضِهِم
تَنْزِيهِ مِن الْعُيُوبِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: كنَايَة عَن الْعِصْمَةِ مِنَ الذُّنوبِ، وَهُوَ حَسَنٌ وجِيةٌ.
وذكر الطَّبراني مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ الله: ((لمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إلَى السَّمَاءِ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَوَقَفْتُ عَلَى شَجَرَةٍ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ لَمْ أَرَ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً أَحْسَنَ مِنْهَا وَلَا أَشَدَّ بَيَاضِ وَرَةٍ وَلَا أَطْيَبَ مِنْهَا ثَمَرَةً فَتَنَاوَلْتُ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرِهَا فَأَكَلْتُهَا فَصَارَتْ نِطْفَةً فِي صُلْبِي فَلَمَّا هَبَطْتُ [239 و] إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بفَاطِمَةَ فَإِذَا اشْتَقْتُ إِلَى رَائِحَةِ الْجَنَّةِ شَمَمْتُ رِيحَ فَاطِمَةَ))) وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ فِي سَنَدِهِ كَذَّابُونَ، وَكَذَا فِي رِجَالِ ابْنِ الْجَوزِي والذَّهَبِي عن عائشة وابْنِ عَبَّاس وسعد بن وقاص مَن يَضَعُ الْحَدِيثَ وَيَكْذِبُ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وُلِدَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِسَبْعِ سِنِينَ، وجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمَدَائِنِي وَالْوَاقِدِي عَنِ العَبَّاسِ بِأَنَّها وُلِدَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَالإِسْرَاءُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِالإِجْمَاعِ.
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عَلِي: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سلونِي عَنْ عِلْمٍ لَا يَعْلَمُهُ جِبْرِيلُ وَلَا ميگائِيلُ، أَعْلَمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كُنْتُ نُورًا فِي جَسَدِ إِبْرَاهِيمَ ودُرَّةً فِي ظَهْرِهِ فَلَمَّا عَارَضَهُ جِبْرِيلُ، وهُوَ فِي الْمِنْجَنِيقِ فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، فَعادَ إِلَيْهِ
(1) ينظر: التذكرة بأحوال الموتى، القرطبي، ص 850.
(2) ينظر: المحرّر الوجيز، ابن عطية، 126/ 5.
(3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، ص 498.
(4) المعجم الكبير، الطبراني، حديث (100) الدر المنثور المنثور، السيوطي، 9/ 211.
647