الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤وَأَعْطَى الله جل جلاله إِبْرَاهِيمَ ال الانْفِرادَ بِالْعِبَادَةِ فِي عَصْرِهِ، حَتَّى آمَنَ مَعَهُ قَلِيلٌ، وَبِكَسْرِ الْأَصْنَامِ. وقَدْ أَعْطَى اللهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ سَيِّدَنا مُحَمَّد لا اله الانْفِرَادَ بِالْعِبَادَةِ، حَتَّى اتَّبَعَهُ كَثِيرٌ لَا يَزَالُ يَتَكَاثَرُ. وَكَسَرَ ثَلَاثَ مِئَةٍ وسِتِّينَ صَنَمًا بِقَضِيبٍ، يُشِيرُ بِهِ إِشَارَةً لَا ضَرْبًا، ولا بِقَادُومٍ بِحَضْرَةِ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ كَانَ
يَنْتَصِرُ لَهَا، وَلَمْ يُعْرِضْ وَلَمْ يتمرَّص (1)، بَلْ قَالَ عِنْدَ الإِشَارَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَنطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
ومِمَّا أَعْطَى اللهُ إبْرَاهِيمَ اللهِ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وجَعْلَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ. وَقَد اخْتَلَفَ قُرَيْسٌ فِي مَنْ يَرْفَعُ الْحَجَرَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَجَاءَ النَّبِي، الله فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ. وَلَا شَكٌّ أَنَّ البَيْتَ كالجَسَدِ والحَجَر رُوحُه بَلْ هُوَ سَوَيْداء الْقَلْبِ، بَلْ جَاءَ أَنَّهُ يَمِينُ الرَّبِّ. رَوَى الدَّيلَمِي عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم [256 و]: ((الْحَجَرُ يَمِينٌ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ)) (3).
ومِن ذلكَ: أَنَّ مَا أُعْطِيَهُ مُوسَى اللهِ مِنْ قَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً، قَدْ أَعْطَى اللهُ جَلَّ وعَلَا نَبِينَهُ مُحَمَّدًا ما هُوَ أَكْبَرُ، وَهُوَ حَنِينُ الْجِذْعِ، وتَكَلَّمُ الْأَحْجَارِ والأَشْجَارِ، وطَاعَتُهَا لَهُ كَمَا مَرَّ مِعَ نُطْقِ الْجِذْعِ ما ذكر، ولَمْ تَنْطِقُ عَصَا مُوسَى (5).
ورُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلِ لمَّا أَتَى
بِحَجَرٍ
يُلْقِيهِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي صَلَاتِهِ رَأَى ثَعَابِينَ عَلَى
كَتِفِهِ، فَانْصَرَفَ مَرْعُوبا، كَمَا انْصَرَفَ فِرْعَوْنُ مَرْعُوبا بِعَصَا مُوسَى؛ إِذْ كَانَتْ تُعْبَانًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ
أَعْظَمَ الْفَرَاعِنَةِ كَانَ تُعْبَانَانِ).
(1) لعلها: يتمرض، كما في شرح المواهب.
(2) سورة الإسراء: 81. شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 86/ 7.
(3) مسند الفردوس، الدَّيْلمي، حديث (2807). (4) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 86/ 7 - 87.
(5) (م، س)، 87/ 7.
(6) (م، س)، 88/ 7.
697