العقيدة الإسلامية بين الراجح والمرجوح
الجزء ١ · صفحة ٤٠العقيدة الإسلامية بين الراجح والمرجوح
الهلكة يوم القيامة، وإنما قصاراه أنه يقي صاحبه من مسمى الشرك، وهذا هو
موقف المغاربة، وأبو إسحاق اطفيش منهم.
والوجهة الثانية تقر أن الإيمان يتنافي مع الإصرار على مقارفة المعاصي، وأن من عصى الله يُحكم عليه بهدم إيمانه تحفيزا للرادع النفسي، ولا فائدة عندهم من القول بنقصان الإيمان بعد المعصية، لأنه على فرض صحة هذا القول فإن الإيمان المتبقى بعد المعصية لا أثر له في النجاة في الآخرة. فضلا عن أن الإيمان يعرف بالتصديق، والعاصي يُسقط جوهر الإيمان بفسقه وإلى هذا مال المشارقة والعبري
منهم.
والشيخ الخليلي حاول ذات يوم توضيح الأمر للشيخ العبري، تهدئة للتشنج الواقع بينه وبين أبي إسحاق، وتبيانا بأن الخلاف سطحي، وقول أيمة المذهب يحتمل كلام أبي إسحاق (1)، لكنه لم يهتد إلى ذلك، فقال: «بهذا يتبن أنه لم يكن داع إلى الخلاف بين الشيخين الجليلين، ولو أنهما التقيا وتباحثا وأمعن كل منهما فيما يقوله الآخر لهان الخطب وضاقت بينهما الفجوة وتلاشت الجفوة». ونعد عمل الشيخ فعلا محمودا، لأنه تقريب لوجهات نظر تبدو في الظاهر متناقضة، لكن مع الشرح وتوضيح زاوية النظر في إطلاق الحكم، والبحث عن إدراك السبب الذي حمل على القول ومحاولة تبيان الدليل المعمول به عند كل طرف على حساب الدليل الآخر، ستزول الغرابة والأحكام القاسية بين علماء المسلمين، وسيتوصلون إلى أن الرأيين متقاربان، ذلك أن القول بهدم الإيمان أو
1 المصدر: 1/ 94. ويقصد الشيخ الخليلي بالأيمة، كلام القطب في تفسيره هميان الزاد، والشيخ السالمي في المشارق، وذكر نصهما في: 1/ 91.
43