الفكر السياسي عند الإمام السالمي (دراسة تحليلية) عبد الله بن سليمان بن عبد الله الريامي

الفكر السياسي عند الإمام السالمي (دراسة تحليلية)

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

وطردوهم عن مجالسهم، وكان لهذه المواقف الحازمة بطرد ومقاطعة كل من يظهر خلاف الحق، أثرها في المحافظة على هذا المذهب وصونه من المبتدعين والغلاة، كما أن

267

موقف الدعوة من عزل هؤلاء المخالفين عنها، دافع لتنقية الدعوة من العناصر المريضة، وأن هذا العزل دافع لمحاسبة هؤلاء المخالفين أنفسهم وإعادة نظرهم فيما أوقعوا أنفسهم فيه ومن ثم إعلان توبتهم، وعندما يتحقق القادة من توبتهم يأتي القرار بإعادتهم، كما حدث لهؤلاء الذين خالفوا زمن أبو عبيدة، أعيدوا إلى المجالس عندما أعلنوا توبتهم، ولكنهم طردوا من حضور المجالس زمن الربيع عندما أصروا على موقفهم ومخالفتهم، حفاظا على الدعوة منهم ومما قد يسببه وجودهم بين صفوفهم والدعوة تحرص على أفرادها فليس طرد هؤلاء معناه أن الدعوة لا توجه لهم النصح والإرشاد وليس معناه أن الذي يقع في الانحراف تتخلى عنه الدعوة بسهولة، فلقد وجه لهم النصح زمن أبي عبيدة فتابوا، فأعيدوا إلى المجالس، لكنهم عندما عادوا زمن الربيع وأصروا ولم يستجيبوا للنصح طردوا، وكان شيخ المجلس يتبع كل من ينحرف من أفراده، ويتبع الأسلوب المناسب في سبيل إرجاعه إلى

طريق الهداية والاستقامة، فقد جاء في كتب السير أن شابا كان يلازم مجلس أبو الحر

-

أحد مشايخ الدعوة - فنفقده فأتى أمه فسألها عن شأنه، قالت: أخذ في السفه وترك ما كان عليه ونفد ما في يده ولا يأتينا إلا ليلا أو نصف نهار، فقال أبو الحر: إذا أتيت وهو بالبيت فلا تحبسيني على الباب فأتاهم نصف النهار ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم فاستأذن فأذنت له، فدخل وقال للفتى ما منعك أن تأتينا فنحن الذين أسأنا أمرك، فخذ هذه الأثواب واكتس بثوبين ولأمك ثوبان ولأختك ثوبان، وخذ هذه الدراهم فاستنفقها 268 على نفسك، فرجع الفتى وحسنت حالته ".

269

لقد كان لهذه الأساليب ولهذا الانتقاء ولهذا الإعداد أثره في نجاح الدعوة ونجاح

الدعاة في القيام بمهامهم على أكمل وجه، وظهر نجاحهم واضحا في الدور السياسي الذي

267

268

269

الشماخي، السير، ج 1، ص 97، السالمي شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 5

فاستنفقها أي أنفقها واصرفها على نفسك

الشماخي،

كتاب السير، ج 1، ص 94. يفهم من هذه السيرة، حرص هؤلاء الدعاة على إخوانهم، ودراسة أحوالهم والإنفاق عليهم في حالة تبينهم حاجتهم وفقرهم، كل هذا ساهم في تحقيق التكافل والترابط بينهم،

216