الفكر السياسي عند الإمام السالمي (دراسة تحليلية)
الجزء ١ · صفحة ٤٦ثالثة وفاته يذكر أن الإمام السالمي توجه إلى الشيخ ماجد بن خميس العبري، وكان ببلدة الحمراء ليبين له حجته في مسألة أوقاف القبور، وملخصها أن نور الدين رأى ما أحدثه الناس من بدعة الوصية للقراءة على القبور، وتهافت العوام على هذا الأمر المحجور، فصارت المقابر بالذكر معمورة والمساجد من ذلك مهجورة، فحكم أن الوصية بذلك باطلة من أصلها، تلك الأموال لورثة الوصي إن وجدوا، وإلا هم مجهولون يتعذر الوقوف عليهم، فقضى أن المجهول لبيت المال وأمر الإمام سالم بن راشد بإمضاء ذلك الحكم وإنفاذه إذ لا ينفع قول بحق لا نفاذ له، فأمضاه الإمام، وأدخل تلك الأموال العتيقة في بيت مال المسلمين، فشرع في بيع بعضها في حاجة الدولة".
ومرجع
ولما بلغ ذلك العلامة ماجد بن خميس وكان من مشائخ العلم بعمان له سن وفضل - كتب إلى الإمام نور الدين بإنكار ذلك الحكم قائلا إنه لا يجوز تبديل الأوقاف عن سنتها التي جعلت لها؛ فأجابه نور الدين بالحجج المقتضية لبطلان تلك الأوقاف المؤسسة على غير ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين له بيانا شافيا، فلم يكن من العلامة ماجد بن خميس إلا الاعتراض وأخذ يشنع عليهم وأظهر التخطئة لهم، فخشي نور الدين أن تقع بذلك فرقة وتنتج المسألة ضررا يئول إلى تفرق كلمة المسلمين، فشخص بنفسه إلى مناظرة الشيخ ليفهمه الحجة شفاها ويوقفه على المحجة، لما رأى أن الرسائل من بعيد لم تغن شيئا، وإجلالا للشيخ
18
بلدة الحمراء إحدى ولايات المنطقة الداخلية بعمان، تقع في الجزء الشمالي الغربي من الجبل الأخضر، تجاورها ولاية عبري من جهة الغرب ونزوى من الشرق والرستاق من الشمال، وبهلى من الجنوب أنظر: العبري، سليمان علي،، عمان سؤال وجواب، ص 142. السالمي، نهضة الأعيان، ص 454
بن
19
20
نهضة الأعيان، ص 131. إن مثل هذه المواقف تشد انتباه المطلع على هذه السيرة، التي يتميز بها علماء الإسلام،
فرغم المكانة العلمية العالية التي وصل إليها السالمي فإنه لا ينسى متزلة غيره وفضله ومكانته العلمية، ويحرص على السفر والانتقال إلى مشائخ العلم - بالرغم من صعوبة الانتقال في ذلكم الزمان وكثرة المشاغل- ليبين لهم الأدلة والحجج التي بني عليها اجتهاده، وسعيا لدرء فتنة الاختلاف والافتراق في مسائل يسع فيها الخلاف، فإن السالمي بادر بنفسه للتوجه نحو الشيخ العبري ومثل هذا المسلك القويم على علماء الإسلام أن يحرصوا على إحياءه، وستحل كثير من الاختلافات الحاصلة بين مختلف المدارس الإسلامية المتعددة، أما إن بقي كل طرف يضع الحواجز بينه وبين
44