الفكر السياسي عند الإمام السالمي (دراسة تحليلية)
الجزء ١ · صفحة ٥٨بينهما، فلما رأى عنت المتعنت زجرهما وقال: هلما إلى الحكم وضرب بعصاه أمامه، فما هو إلا أن سلم المتعنت الأمر وصالح خصمه، ثم عوتب بعد ذلك فقال: إني خفت تلك
العصا السوداء
71
بجانب كل ما سبق، كان صبورا يحتمل ما يصيبه، إذ يروى عنه أنه اشترى تمرا كثيرا يريده للشتاء، فلما أراد أن يأكله في الشتاء أو عندما وصل المنزل نظر إليه متفحصا أحد أهله، فوجدوه لا يصلح أن يؤكل إلا أن يطعم به الحيوان كعلف، فما سمع أحد منه كلمة عتاب، وقد كان الزمان زمان شدة و حاجة، وكان كثير التلاوة لقوله تعالى" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْحِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٌ) الصفة 10). وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد المرغبة لدار المعاد، وكان كثيرا ما يقول: اختبرنا الله فوجدنا كاذبين، يتأوه كثيرا لما يراه في الناس من الاختلاف وعدم الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة ولما يراه من الفساد في البلاد، فتراه قد قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلا: ذهب الوفاء ذهب الدين ذهبت المروءة ذهبت الغيرة ذهبت الحمية طمع فينا الخصم، طلبنا بالمكائد، نصب لنا الحبائل فإنا لله وإنا إليه راجعون وكان يكثر الدعاء على النصارى والمستعمرين في أكثر مجالسه، ومن أدعيته الجامعة اللهم خذ أعداء الدين وارددهم على
أعقابهم خاسرين خاسئين"
72
هكذا عاش السالمي باحثا عن العلم وشيوخه متنقلا بين قرى وولايات عمان، متصفا بأخلاق طلاب العلم، مجدا في تحصيل العلم، ولهذا أصبح ذا مكانة علمية في مجتمعه، ومرجعا يرجع إليه في مهمات المسائل ومما تقدم يمكن القول بأن ذكاء السالمي وفطنته ورغبته في تحصيل العلم، كانت وراء هذا الحافز والهمة نحو إصلاح الواقع الاجتماعي الذي عاشه كذلك فإن تاريخ قيام الإمامة - الحكومة الإسلامية القائمة على الشورى- المتعاقبة في عمان كانت دافعا للقيام ببعث هذا النهج القويم، وبذل الجهد من أجل تحصيل العلم النافع وتهيئة النفس لتحقيق هذا المبتغى وهكذا كان لكتاب الله - عز
71
يذكر أن هذه العصا السوداء من خشب الأبنوس، وهي مازالت موجودة في مكتبة السالمي ببدية بمحافظة
الشرقية
72
" أبو بشير، نهضة الأعيان، ص 119 - 120.