المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين

أساسيًا لفهم إشكاليات وحيثيات الفكر العقدي الإباضي، إذ إنَّ كل مسألة عقديَّة لها مصدرها التاريخي فلا بد من الإلمام بهذا الجانب الذي يعدُّ شيئا رئيسيا في فكّ التَّداخل التَّاريخى في بعض المسائل المستعصية، والتي تم تطورها عبر الزمن وعبر الأحداث التاريخية. (1)

إذن من خلال رأي الباحث فإنَّ كل الفرق والمذاهب الإسلامية نشأت في نسق تاريخي واحد، لكن ينبغي أن نأخذ نشأة المسائل العقديَّة من خلال الإطار الزَّماني والمكاني الذي تعيشه الفرق وإن كان تشابها بينهما فهو من باب اتفاق المنطلقات وليس من التأثر والتأثير، وهذه إشارة واضحة للعلاقة بين الخوارج والإباضية أو المعتزلة والإباضية.

والتعريف بالفرق تم في الغالب الأعم من خلال بعضها البعض، فلم يسمح ببعض الفرق عن التعريف بنفسها لما صاحب نشأتها من القهر والتستُّر خوفا من اضطهاد الدولة لأتباعها كحال الإباضيَّة، وقد صَاحَبَ هذه التعريفات غالبا انتصار كل فرقة لنفسها وادعائها أنها الفرقة الناجية التي عناها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه.

حيث كان التنافس قائما بحدة في إثبات كل فرقة شرعيتها، ونفيها عن الآخر، ومن بين هذه الفرق نجد فرقتي الخوارج والإباضية، حيث سعت الإباضية إلى إبعاد شبهة أفكار الحركة الخارجيَّة التي انبثقت منها خلال مسارها التاريخي، وكانت دوما تبحث لنفسها طريقا وسطا، وفي نفس الوقت لا تخفي انحدارها عن المحكمة الأولى. ويعتقد كُوبَرْلي أنَّ أساسيات عقيدة الإباضية وأصالة مبادئها جعلها ترفض التطرف والغلو منذ بداية نشأتها، مما كُتب لها الدوام والبقاء والاستمرار إلى يومنا هذا، فلهم تواجد في سلطنة عُمان، ومنطقة ميزاب بالجزائر، وجزيرة جربة بتونس وزنجبار وفي زوارة وجبل نفوسة بليبيا.

أما بقية الفرق التي انتهجت مسلك العنف والتَّطرُّف، فقد عرفت الفناء والاندثار في العهد العباسي.

وفي هذا المسار يعتبر كوبرلي أنَّ المعلومات التي بين أيدينا لا ينبغي أن توقفنا عن البحث لمعرفة سياق نشأة هذه الفرقة، فلذلك ينبغي الغوص في بدايات نشأة الجماعة الإباضية، لأنَّ هذا يعطينا فكرة نقية صافية عن بداية نشأة الكلام في القضايا العقدية من خلال طريقة طرحها في تلك الفترة، ثم كيفية تطوُّرها عبر المراحل التاريخية. واعتبر الباحث أنَّ التَّراث الذي يملكه من مصادر الفرقة والذي يعود إلى القرنين الخامس والثامن الهجريين، قد استوعبه ودرسه بشكل دقيق، ولكن رغم ذلك لابدَّ من الحفر التاريخي أكثر في أسباب نشأة وتكون الفرقة، وإزالة ما يكتنف هذه المرحلة من غموض وكذا الملابسات التاريخيَّة التي مرَّت بها، وذلك على ضوء ما يتوفّر له من مصادر

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، Office des publications universitaire، Ben

(بيار كوبرلي مدخل إلى دراسة المذهب الإباضي (وعقيدته 13 Aknoun (Alger)، P

105