المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٠٨الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
هنالك فرقا بين الخوارج أنفسهم.
ويبين كُوبَرْلي أنَّ أتباع الراسبي يذهبون إلى القول بكفر النعمة للمؤمنين العصاة، وهذا الكفر يختلف عن تكفير
الخوارج الذي يراد منه إخراج المؤمن من
ملة الإسلام.
وموقفهم من علي كان واضحا لا لبس فيه، إذ لا يعتبرونه خليفة للمسلمين فحسب، بل عالما كبيرا، كما يكنون له كل الاحترام لنسبه الشريف، لكن يحسبونه أخطأ إذ تنازل عن إمامته عند قبوله التحكيم، ولا أدلعلى ذلك من اعترافه بندمه وتوبته من هذا الخطأ بعد ذلك.
يعود كوبرلي بعد أن بين وجهة نظر الإباضية في الإمام على كرَّم الله وجهه إلى أنَّ هذا الرأي يمثل المعاصرين من الإباضية، ومن بينهم العالم الكبير المعاصر امحمد بن يوسف اطفيَّش (1332 هـ / 1914 م)، وفي نفس الوقت يقول إن هذا لم يكن رأي المتقدّين والذي كان صارما ومتشدّدا، ولعل هذا يعود إلى ملابسات تلك الفترة من إيغال في القتل بينهم، فمن المنطقي أن يكون هنالك تقاذف بين الفريقين.
ويؤكد كوبرلي مرة أخرى على هذه الحقبة التاريخية التي لا بدَّ أن تُولى بالاهتمام، لأنه في خضم دراستنا للعقائد، لابد من معرفة أنَّ معظمها هي نتاج تأويل أحداث، صفين، والداعين إلى التحكيم. (1) 2. انتشار الخوارج وفكرهم
يرى كوبرلي أنَّه لم تكن للضربات المتوالية التي تلقاها المحكمة لتثنيهم عن مقصدهم وغايتهم، بل لعل تلك الملاحقات كانت السبب المباشر لانتشار مذهبهم من خلال تفرُّقهم في الأصقاع والبلدان، وميل بعضهم إلى المسالمة ونشر مذهبهم في صمت وهدوء، حيث قاموا بأكثر من إحدى وعشرين ثورة بين 37 هـ/658 م إلى 60 هـ/680 م، وخاض بعضهم معركة النهروان، حيث يعتبر كُوبَرْلي أنا لخوراج ساهموا بشكل غير مباشر في إضعاف جيش علي، وفي إنجاح معاوية ضده، وما تبعه من انتصار للعباسيين على الدَّولة الأموية من خلال إضعاف الأمويين بالثورات والفتن
الداخلية والحروب المتتالية.
3 استقلال الإباضية عن الخوارج
يذهب كوبرلي إلى الاعتقاد الجازم بداية من خلال البحث التاريخي، والاختلاف العقدي، أن لا علاقة تربط
بين الإباضية والخوارج سوى النشأة التَّاريخية، وهذا لا يعطي ذريعة بوصف الإباضية من الخوارج أو فرقة منها. إذ يعتبركُوبَرْلي أنَّ هنالك عوامل تثير الانتباه وترفض قبول الرّوايات التَّاريخيَّة المتعارضة، وذلك من خلال التباين حول الإشكالات العقدية بين الطرفين والتي ظهرت في بداية الأمر، حيث من المنطلق كان هنالك تباينا واضحا بين
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 15
108