المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٠٩الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
الإباضية والخوارج، والاستقلال بينهما كان بينا وشاسعا، (1) ومما يميّز المحكّمة الذين انبثق منهم الإباضية:
- الارتباط بكتاب الله تعالى:
لقد كان الارتباط بكتاب الله ميزة قوية عند المحكمة هذا الكتاب الذي يُعتبر معيارا قويا يرتفع فوق كل حكم بشري، ولا غرابة في ذلك فالخوارج أغلبهم كانوا من القراء، والذين كانت علامات السُّجود بادية في جباههم، مما يدلُّ على انصرافهم للآخرة ونبذهم للدُّنيا، حيث كانوا زهادا وبمعزل عن الدُّنيا حتى قيل فيهم "أسود بالنهار ورهبان بالليل"، ويتساءل كوبرلي، كيف لهؤلاء القراء أن لا يفهموا معاني الآيات التي يتلونها، أو التي تتلى عليهم، لقد كان شعارهم في كل معركة وكل اجتماع "لا حكم إلا لله"، أي لا قرار إلا بما أُنزل في كتاب الله.
فبين كُوبَرلي أن مشاركتهم في معركة النَّهروان لم تكن بالأولى، بل قد سبقها مشاركتهم في معركة الجمل وفي صفين وكذا ضدَّ الحجاج بن يوسف الثقفي، بل كانوا عنصرا مهما ومحركا لكل انتفاضة ضد الأمويين، وهذا يدل على أن نصرة الحق دأبهم وديدنهم.
وكانوا في اجتماعاتهم يرددون بصوت مرتفع "لا حكم إلا الله"، مما يدلُّ على الانتماء الديني العميق، وأنَّ
ثوراتهم وانتفاضهم ليس عن نزوة أو عصبيَّة أو قبلية، بقدر ما كانت تجسيدا للمفهوم الدقيق لمعنى الآيات. (2) بالمقابل يذكر كوبَرْلي ملاحظة مهمَّة، وهي التَّفسير القبلي لبعض الظواهر، حيث بين أنَّه لابد للإشارة إلى ملاحظة مهمة وأساسية وهي المنافسة بين القبائل العربية، الشمالية والجنُوبِيَّة منها، كما أنَّه تم عقد تحالفات إثنية غير عربية "أي مع الموالي" مع الخوارج الذين تعسكروا في النهروان، وهذا التباين والتضاد القبلي ولد تنافسا بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب.
وبيَّن أنَّ الشَّيعة يتألَّفون من القبائل الجنوبيَّة، بينما الخوارج تشكّل القبائل الشمالية العنصر الأساسي فيهم. ولابد من معرفة تأثر تلك القبائل بالثقافات والحضارات القديمة التي كانت سائدة قبل الإسلام، فالقبائل الجنوبية قبل دخولها الإسلام كانت تدين بديانات تعطي القداسة للحاكم، وتعطيها صفة أنصاف الآلهة، وبالتالي فإن قراراتها لا رجعة فيها ولا خطأ يعتريها، كالوحي المنزل من السَّماء، بينما قبائل الشمال كانت متأثرة بالنموذج الديمقراطي الذي كان سائدا في العراق في حضارات ما قبل التاريخ.
ولهذا يرى كُوبَرْلي أنهذا الانفتاح الذي كان قبل الإسلام في بعض الحضارات، يمكن نسجه على الإباضية الذين لم يروا ضرورة حصر الخلافة في قريش فهي تشمل كل النَّاس، شريطة الالتزام بالصَّلاح والعلم والتقوى، ولكن إذا توفرت هذه الصفات في قرشي فهو أولى بها.
(1) المصدر السابق، ص 16
(2) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 17
109