المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٠الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
يرجح كوبرلي أنَّ هذه العناصر المذكورة آنفا أعطت للقائد دورا مهما في حياة المجتمع، ومن هنا كان تأسيس مفهوم الإمامة لكل فريق، حيث يوجد من يضيقها في قبيلة وهناك من يوسعها دون إقصاء أحد، المهم أن يُجسّد خلافة وحكم الله على الأرض.
ومن المهم هنا الإشارة إلى المكان والجو الثقافي الذي برزت فيه هذه الخلافات، لأنَّ له وقع على الأفكار والاتجاهات، وهي مدينة البصرة حيث أنَّ هذه المدينة لها أهميَّة كبيرة جدًّا في التاريخ، وهي التي أيضا ستلعب أدورا أخرى أكثر أهمية في مستقبل الحركات الدينيَّة لعدة، أحقاب، حيث أنها كانت تميّل الحياد ولم يكن لها مذهب أو اتجاه خاص يمتلها، فهي من المدن الأساسية، ومركز التقاء الأفكار وتطوُّرها، وقد اجتمعت فيها كثير من الحركات المعارضة، وملتقى المذاهب المختلفة، وتعتبر مركز للعلم و منطلق انتشار المذهب الإباضي. ويركز كوبرلي على أهميَّة البصرة فيعتبر أنها كانت مقصد العناصر المعتدلة التي نجت من نكسة النهروان (37 هـ/658 م)، حيث استقرُّوا هنالك مع إخوانهم وزملائهم.
ومما يميز البصرة أنها لم تكن لا مع فريق علي ولا مع معاوية بل كان شعبها ثائر يرفض أي انصياع لأيّ جماعة فوجدت الحركات المعارضة في تلك المدينة مرتعا ومسكنا لها.
والإباضيَّة من خلال مراسلاتهم للسلطة الحاكمة بينوا اختلافهم عن الخوارج، والذين بدأت أعمالهم تظهر من فتن وقتل وتنكيل بالناس، مما جعلهم لفترة في حماية عن متابعات وأعين الدولة، بل أكثر من ذلك كانوا يتمتعون بحماية الأحنف بن قيس السَّعدي (1) (ت 87 هـ / 686 م) والذي يعتبره الإباضية من بينهم وهذا ما يفسّر استغلال الوضع
لإعلان أفكارهم ونشر مبادئهم.
4. افتراق المحكمة:
لقد كانت لضربات الأمويين وقعها الشَّديد على المعارضين، ويبدو أنها تجاوزت الحد إلى الظُّلم نفسه، فقد كان ضغط الأمويين على المعارضين سواء بالقتل أو التَّعذيب أو التنكيل ببعضهم شديد جدًّا، فكانت ردة الفعل عنيفة، فظهرت أصوات النار، والدَّعوة إلى القتل المضاد، فاختلفت المحكمة بينها بين من يدعو إلى المسالمة ومن يدعو إلى الحرب ومواجهة القوَّة بمثلها، فانشقت بداية فئتين فئة تتزعمه الأزارقة، وفئة أخرى تتبع عبد الله بن إباض.
(1) الأحنف بن قيس التميمي السَّعدي (الملقب: أبو بحر)، (ت: 67 هـ / 686 م)، هو الضحاك بن قيس، زعيم قبيلة بني تميم العراقية الواسعة الانتشار، وصف بأنه كان حكيما، عاقلا رزينًا، داهية زمانه، حليما، أوتي الحكمة والبيان، صنفه الشماخي في طبقة التابعين، أدرك النبيء ولم يره، ويقول بأنَّ النبيء دعا له فقال: «اللهم اغفر للأحنف». أخذ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولقب بـ «أبو بحر» تنم عن معارفه الواسعة، توفي في سنة 67 هـ / 686 م ومشى في جنازته: مصعب بن الزبير، معجم أعلام الإباضية، ص 104/ 2 رقم الترجمة: 98
110