المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١الفصل التمهيدي: يَعدُّ المؤرخون الذين كتبوا عن المذهب الإباضي في بداياته أنه لم يكن بالشيء الكثير، وهذا راجع لقلة المصادر والمؤلفات التابعة للفرقة في معظم الأحيان، ولذلك فإنّ معظم الذين كتبوا عن المذهب الإباضي من الفرق المختلفة لم يرجعوا إلى مصادر الاباضيَّة لعدم توفّرها أو لفقدانها أو لجهلهم بها، أو تحيزا من قبلهم، فكانت النتائج متناقضة
أنَّ ذلك راجع
ومختلفة بين الكتاب أنفسهم. وقد ظَهَرَ باحثون مستشرقون حاولوا أن يكشفوا الغطاء عن بعض الجوانب المجهولة في المذهب الإباضي، ولكن في غالب الأحوال كانت أبحاثهم موجّهة لقضايا تاريخيَّة، وبعض المسائل العقديَّة ويبقى الإلمام بجميع محاور هذا المذهب عَوَز لم تستطع تجاوزه تلك الأبحاث إلا القليلة منها، ذلك أنّ أبحاثهم كانت محدودة، ويبدو لمدى توفر مخطوطات ومصادر الفرقة، أو أنها كانت محدودة على حسب الأغراض الموجهة لها. وفي المرحلة الأخيرة برز كتاب معاصرون مستشرقون وغيرهم ألَّفوا في الإباضيَّة إمَّا تحقيقا لمخطوطات إباضية أو عبارة عن رسائل أكاديميَّة تعنى بجانب من جوانب المذهب الإباضي، والإشارة الجديرة بالذكر أنه في هذه المرحلة تمت محاولة التعامل مع مصادر الفرقة نفسها في غالب الأحوال، ولم يتم إعادة ما قاله السابقون من كتاب المقالات
وغيرهم.
1. نشأة الإباضية
أحداث
رغم أنَّ المذهب الإباضي ينتسب إلى التّابعي عبد الله بن إباض، إلا أنَّ الإباضية يعتبرون أنَّ جذورهم تعود إلى أبعد من ذلك، إذ يرجعونه إلى الصحابي عبد الله بن وهب الرَّاسبي (1) الذي قتل في معركة النهروان بسبب الفتنة الكبرى التي أصابت المسلمين.
لقد كانت لأحداث هذه الفتنة أثر بالغ في انشقاق المسلمين وانفصالهم عن بعضهم البعض، ثم اختلافهم في تفسير بعض القضايا الحادثة على الأمة الإسلامية. وكان مقتل عثمان بن عفان الحدث البارز والراسخ في تاريخ المسلمين، ذلك أنه كان اغتيالا لثالث خليفة من
(1) عبد الله بن وهب الراسبي ولد بعُمان صحابي جليل من قبيلة الأزد، أدرك الرسول في السنة التاسعة للهجرة، شارك في سعد العراق مع بن أبي وقاص، وأبلافيها بلاء حسنا، وكان في صفّ علي كرم الله وجه في بداية بروز الفتن التي منها معركة صفين سنة 37 هـ / 657 م، وهو من الفئة الذين رفضوا توقيف القتال عند رفع المصاحف، والدعوة إلى التحكيم، لذلك سميت جماعته بال"محكمة"، فانتقلوا إلى مكان يسمَّى "حروراء" فسموا بالحرورية وفي ذلك المكان بايعوا عبد الله بن وهب إمام لهم، وفضل القعود والتروّي على الخروج بعد أن برز تيار في الحرورية ينادي بالخروج على الظلمة، فأقحم علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في قتال هؤلاء المحكمة، في معركة النهروان سنة 37/هـ/658 م، وأحيانا تنسب الإباضية إلى عبد الله بن وهب الراسبي لذلك يطلق عليها الإباضية الوهبيَّة. معجم أعلام الإباضية، 580/ 3 - 583
11