المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٢الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
رفضه أتباع نجدة بن عامر، فوجد أتباع هذا الأخير الذي اتخذ من اليمامة مركزا له ملاذا من بطش الأزارقة وغلوّهم،
وبايعوه إماما لهم.
وقد مارس نجدة (73 هـ/692 م) السُّلطة على نطاق واسع، فقد كانت منطقة البحرين تحت سيطرته، وكذا
بعض المناطق
من عُمان واليمن.
ويبدو أنه حاول إصلاح ما أفسده نافع بن الأزرق من غلوّ في الدين، فسعى إلى تسهيل وتيسير بعض الأحكام القاسية في موضوع الهجرة، وتطبيق الأحكام الأساسية، كما فرّق بين القضايا الأساسية والثانوية في
الأحكام.
كما سعى إلى تبيين موقف النجدات من القضايا، ومبدأ أصولهم، كما يظهر من خلال مواقف نجدة أنَّ له اطلاع بعلوم الدين، وبأهم القضايا في معرفة الله ورسوله، فقد حرَّم دماء وأموال المسلمين، ودعا إلى تطبيق كلي وإجمالي مما جاء في الجملة أي ما جاء من عند الله، وهذه العبارة التي نجدها في العقيدة الإباضية.
ويذكر كُوبَرْلي التناقض الذي وقع فيه النجدات في الحكم على العصاة وعلاقتهم بالمجتمع، فبالرغم من اقترافهم الكبائر كالسرقة والزنا، فإنه لا يتبرأ من فاعله فتبقى علاقته بالمجتمع وطيدة، رغم أنه أتى بعمل يلزم صاحبه العذاب (1) وهي من نقاط الخلاف مع الإباضية.
لكن قضيَّة الإصرار على المعاصي، يقفون منها موقف الحازم، إذ يرون أنَّ صاحبها مشرك فاقد لمسمى الإيمان، وهنا لابد من الإشارة أنهم يفرّقون بين المعاصي الصَّغيرة والكبيرة، ولم يبيّن كُوبَرْلي ما المقصود بالإصرار على المعاصي هل تتعلق بالصَّغائر أم الكبائر. ويظهر هنا بوضوح اتفاق النجدات مع الإباضية في مسألة الإصرار على المعاصي، لكنهم يختلفون عنهم في
التفصيل في المسألة، فالإباضيَّة يفصلون في الموضوع، أما النَّجدات فلم يتعمَّقوا ويطوّروا الموضوع كثيرا. كما يتفق النجدات مع الأزارقة في تقسيم المجتمع، وممارسة الشعائر الدينيَّة في أرض الهجرة، وكل من عارض النجدات في آرائهم يحكمون عليه بجهنَّم، ولكن لا يتبنون اتَّجاه الأزارقة في استعمال القوة ضدهم أو الاستعراض والقتل.
ومما اتفقوا فيه مع الإباضية تجويزهم التَّقيَّة، وهي إخفاء الانتماء أو المعتقد حال انعدام الأمن، أو الإحساس بخطر حال وجودهم في أرض العدو، وهنا يظهر مرَّة أخرى اختلافهم مع الأزارقة الذين لا يؤمنون بالتَّقيَّة، بل يوجبون الهجرة حال انعدام الأمن.
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 20
112