المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٤الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
يمكن أن تكون مسلمات، ذلك أنه يبقى ذكر هذه النقاط كما وردت في الكتب التاريخية دون إمكانية التأكد منها،
حيث إنَّ الفرق المعنيَّة لا تتوفّر على المصادر للتأكد من المعلومات.
وينتقل كوبرلي بعد ذلك إلى الحديث عن مدينة البصرة هذه المدينة التاريخية التي كانت محور التقاء الثقافات والآراء المختلفة، ويستشهد بكتاب بيلات Pellat بعنوان "الوسط البصري وتكون التيارات المذهبية"، حيث تحدث فيه عن حركة الأفكار في البصرة في القرن الثاني الهجري، وبيّن فيه الاختلاف القائم بين الفرق وأتباعها. وهذه الثورة المعرفية في البصرة، جعل منها مجالا خصبا للتنوع الثقافي، والاختلاف المذهبي، ثم أكثر من ذلك تقبل الفرق لبعضها البعض دون وقوع صدامات بينها، مما يدلُّ على أنَّ فكرة تعايش الأفكار في القرون الأولى كانت
شيئا معتادا بين المسلمين.
لكن لا بدَّ من التنبيه إلى ملاحظة أشار إليها كوبرلي، وهي أن تلك الآراء لم تصل بعد إلى التبلور لتكون مذاهب، إنما كانت عبارة عن مدارس مختلفة ومتنوّعة، والأفكار تنتقل من مدرسة لأخرى، فقد كانت عبارة عن بذور لتكون منطلقا لعقائد تستقل كل فرقة عن بعضها البعض لاحقا. وهذه الملاحظة مهمة جدًّا من كُوبَرلي، إذ من خلالها نستبعد فكرة تأثر الفرق ببعضها البعض، أو الأخذ بعضهم البعض، وإنما الأفكار كانت تتبلور بين الفرق المختلفة دون أن تصل إلى مستوى المدارس والمذاهب. 5. الاتصالات بين الخوارج والدولة الأموية:
عن
يُذكر كُوبَرْلي بأهمية مدينة البصرة، التي كانت ملتقى الفرق، وهي أيضا مدينة استعصت على الدولة الأموية لإخضاعها عسكرياً، ذلك أنَّ قبيلة تميم كانت لها السيادة على تلك المدينة، وبالتالي فإنَّ حالة من الهدوء والاستقرار قد عمت المدينة، مما جعلها تزدهر اقتصاديًا وتجاريا، بل وحتى فكريَّا، إذ كانت مقصد الحركات المعارضة للحكم الأموي، ومن بينها العناصر المعتدلة للخوارج التي كانت تنشط في البصرة، وكان لها اتصال بالخليفة الأموي من خلال مفاوضات، وإبداء وجهات نظر ومواقف حول بعض القضايا والأحداث، رغم أنها كانت توجد ثورات من قبل بعض الخوارج، لكن سريعا ما كانت تقمع تلك الثورات من قبل الدولة الحاكمة، ولا يلزم أن نغفل عن الفرق الأخرى كالشيعة والمعتزلة الذين كان لهم حضور أيضا في البصرة.
وتزعم الإباضية في هذه الفترة أبو بلال مرداس بن أديَّة التميمي (61 هـ/670 م)، حيث قاد هذه الفرقة، أمَّا الفرق الأخرى المحسوبة على الخوارج فكل لها زعيمها.
ومن خلال اللقاءات والاتصالات الحسنة التي كانت بين الإباضيَّة بقيادة أبي بلال مرداس والأمويين، ساد نوع
من الثقة بين الطرفين، مما جعل الدَّولة تغض الطَّرْف عن نشاطات الإباضيَّة.
114