المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٥الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
لكن لم يدم هذا التوافق طويلا، فقد انتقل من التسامح إلى العداوة، ومن الوفاق إلى الخصام بمجرد أن تولَّى الحكم زياد بن أبيه (1) الذي عيّن عبيد الله بن زياد (2) واليا على العراق من 55 هـ/ 675 م إلى 64 هـ 684 م، والذي انتهج سياسة استئصالية لكل مبتدع وخارج عن سياسة الدولة الأموية، ولم يفرق في ذلك بين المعتدلين والمتطرفين، فوصل الاضطهاد في زمنه إلى أعلى درجاته. وشكك كوبرليفي عدد الخوارج الذين قتلوا، والذيذكرته المصادر التاريخية، حيث بينانه مبالغ فيه أو يثير الشَّكَ في مصداقيته، فأشار إلى أنَّ كتب التاريخ تذكر أنَّ عدد الخوارج الذين قتلوا بأمر من عبيد الله بن زياد يصل إلى تسعمائة خارجي، ويذكر أنَّ هؤلاء لم يقتلوا في حروب أو معارك، إنما تمت تصفيتهم من خلال إلقاء القبض عليهم. واستغراب كوبرلي عن هذا العدد لم يكن مبررا، فهل يعود إلى أنه يستحيل وجود هذا العدد من الخوارج في البصرة؟ أو أنَّ قمع الدولة الأموية لم يصل إلى هذه الوحشية التي تذكرها كتب التاريخ؟، أو أنَّ كتاب التاريخ يعمدون إلى تضخيم الأعداد لحاجة في أنفسهم؟ أسئلة أثارها، كُوبَرْلي، لكن تركها معلقة دون جواب.
ويمكن أيضا القول إنَّ الدولة كانت أمام ردة فعل بالقوَّة مقابل إرهاب الأزارقة الذين انتهجوا مبدأ الاستعراض وهو مقاتلة المخالفين فردَّت الدولة بقوَّة دون التفرقة بين الخوارج المعتدلين والمتطرفين المتمثلين في الأزارقة، فلم يستبعد
أحد من القتل والإعدام.
حتَّى أولائك الذين كانت لهم صلات بالدَّولة الأموية من خلال المراسلات أو اللقاءات وتربطهم بهم علاقات حسنة، لم يسلموا من هذا البطش وهذا الظُّلم، ومنهم عروة أخو بلال بن مرداس.
المطلب الرابع: المواضيع الأولى للعقيدة
بعد هذه التوطئة والعرض التاريخي انتقل كوبرلي مباشرة لعرض الإشكاليات الأولى المطروحة في المجال العقدي، مما يظهر أنها برزت في البدايات الأولى لنشأة الإباضيَّة، وذلك من خلال الإشكالات الواقعية والتاريخية التي كانت
سائدة.
وهنا يرجع كُوبَرلي مرَّة أخرى للمصادر ويعتبر أنها لن تفي بالغرض الكلّي، وقال مثلا عن شعر الخوارج الذي
(1) زياد بن أبيه: (1 - 53 هـ / 622 - 673 م)، أمير من أهل الطائف اختلفوا في اسم أبيه، أدرك النبيء ولم يره، أسلم في عهد أبي بكر (ض)، كان كاتبا للمغيرة بن شعبة، ولأه علي بن أبي طالب إمارة، فارس، وألحقه معاوية بنسبه سنة 44 هـ، فولاه البصرة والكوفة وسائر العراق ولم يزل في ولايته حتى توفي. خير الدين الزركلي، معجم الأعلام، ص 53/ 3.
(2) ع
عبيد
خير الدين الزركلي،
الله بن زياد بن أبيه (28 - 67 هـ / 648 - 686 م ولد بالبصرة خطيب وجبَّار نقله معاوية إلى البصرة أميرا عليها سنة (55 هـ)، فقاتل الخوارج واشتدَّ عليهم، قتله ابراهيم بن الأشتر في مطالبته بدم الحسين بن علي في أرض الموصل. معجم الأعلام،
ص
193/ 4
115