المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٦الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
رغم أنه كان متوفرا في كتب التاريخ والمجموعات الأدبيَّة، "إنَّه لم يسعفه كثيرا"، (1) ويمكن أن يكون مرد ذلك من خلال
الشعراء الذين لم تكن لهم علاقة بذكر الإشكالات الكلامية والعقدية المطروحة في تلك الفترة.
وبين أن غالب حديث أشعارهم كان عن الشَّهامة والشَّجاعة والإقدام والجهاد في الحروب، مبرزين في ذلك غايتهم وهي نيل رضى الله تعالى، وتطليق للحياة الدنيوية، ومجمل حديثهم كان دوما ذكر الآخرة، وما يتبعه من الدعوة إلى التقشف والزُّهد في الحياة، والتذكير بتقوى الله والخوف من عذابه يوم القيامة، وهذا ما أنتج كثيرا من القضايا، منها تمجيد الشُّهداء، ولعنة الدُّنيا واحتقارها واستصغارها وهي أفكار كلها كانت مكوّنات ومحتويات
أشعراهم.
ولعل كوبرلي من خلال نقده لأشعار الخوارج أراد أن يبين أنَّ الاستنجاد به قد يسعفه ببعض المعلومات، لكن خاب ظنه، ولم ينل، حاجته أمام نقص المادة التي تعود إلى القرون الأولى لأسلاف الإباضية. 1. الإشكالات العقدية الأولى:
إِنَّ أَوَّل إشكال عقدي برز في بداية القرن الأول الهجري والذي أثار جدلا واسعا هو حالة المؤمن عند اقترافه للكبيرة، هل يحتفظ بمسمى الإيمان، أو ينتقل إلى حالة أخرى، وهذه القضية في بداياتها لم تبلغ بعد الجانب التنظيري، وانما بقيت فقط في طبيعة الذَّنب الذي اقترفه المحاربون في معركة الجمل أو صفين.
وكان النظر كذلك في حالة جميع من له صلة بالأحداث، سواء شارك فيها، أو كان السبب المباشر حصولها، والمقصود بهم معاوية بن أبي سفيان وأتباعه، أو الذين باشروا التحكيم كعمرو بن العاص وأبي موسى
الأشعري.
فالمحكمة رأوا أنَّ هؤلاء اقترفوا كبيرة وبالتالي لا يمكن أن يحافظوا على مسمَّى الإيمان، وهم بأعمالهم كفَّار،
لأنهم ارتكبوا إثماً يستلزم هذا الإطلاق عليهم.
هذا الخلاف الذي وقع فيه جدال وخلاف بين المسلمين فبالنسبة لأهل السُّنَّة فإنَّ مرتكب الكبيرة يبقى مؤمنا لأنَّه يحافظ على إيمانه بالله ورسوله ومعصيته تعتبر فسقا لا تنزع منه صفة الإيمان، فلذلك يطلق عليه اسم الفاسق. لكن نجد في الطرف النقيض الفريق الآخر يسمّي مقترف الكبيرة، منافقا، وبالنسبة إليهم فالمنافق أكبر خطورة من الكافر، فالكافر كفره ظاهر واضح، أما المنافق فهو مؤمن لكن يقترف الكبائر، التي لا يمكن أن تصدر من مؤمن. وبالنسبة للإباضية فإنَّ مقترف الكبيرة سقط في وعيد الله، الذي قد يناله إذا لم يتب ويعلن ندمه، فهو كافر
كفر نعمة وليس كفر شرك.
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 18.
116