المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١١٧الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
أما فريق آخر فهو فريق واصل بن عطاء فإنه أحدث ما يسمى بالمنزلة بين المنزلتين، فهو ما بين الإيمان والكفر.
وكانت هذه بالنسبة لكوبرلي أولى ارهاصات بذور نشأة العقائد بين الفرق المختلفة.
2. نشأة العقيدة الإباضية
ا رسائل عبد الله بن إباض:
يعتبر كُوبَرْلي أنَّ أبا بلال مرداس بن حذير الشَّخصية المهمة في نشأة الإباضيَّة، ولعلها النواة الأولى لنشأتهم، وكل من أتى بعده يصنَّف من أتباعه حتى عبد الله بن إباض الذي أخذت الحركة اسمه وسميت بعد ذلك الإباضية باسمه، ثم أخذت الحركة استقلالها عند بروز عقائدها في القرون الأولى.
وهذا يخالف ما ذهب إليه المؤرّخون من الفرقة الإباضيَّة، إذا يرون أنَّ إمامهم الأوَّل هو جابر بن زيد، وأتباع الفرقة كانوا يأخذون بآرائه وتوجيهاته.
ويؤكد كوبرلي هذا داعما كلامه بما سيقدمه فيتحليله لعقيدة عُمان، وكما سيظهر من خلال حدة المناظرات بين الإباضية والخوارج وخاصة المتطرفين منهم، مما يظهر جليًّا عمق الانفصام الموجود داخل بنية كيان حركة الخوارج. لقد كان واضحا لجميع المؤرخين أنَّ منطلقهم كان واحدا، وهو تكوين كيان خارج صراعات معاوية وعلي، إلا أنَّ غايتهم، مختلفة، وهي بين متطرفين يدعون لقتل كلّ من عارضهم، وبين معتدلين يرون أنَّ خلافهم مع بقية المسلمين خلاف منهجي لا يرقى للتقاتل والعداوة.
يظهر هذا لأول مرة في 64 هـ/683 م عند الدفاع عن الدفاع عن مكة المكرمة من قبل عبد الله بن إباض وأتباعه، إلى جانب عبد الله بن الزبير ضدَّ الدَّولة الأموية. وفي اجتماع سرّي لجماعة المسلمين في البصرة أعطي لقب أمير المؤمنين لعبد الله بن إباض، الذي سار في اتباع سياسة خلفه أبي بلال مرداس في التّواصل مع الدولة الأموية. لقد كانوا يعيشون مرحلة كتمان، مرحلة لايظهرون فيها للعلن، ولا يبتون أفكارهم بشكل علني، ولم يكن لهم أي طمع في السلطة، بل كانت غايتهم ربط علاقات مع الدولة الحاكمة. وعلى حسب المستشرق البولوني تادوزليفتسكي Lewicki فإنَّ الرَّسائل التي بعثها عبد الله بن إباض للخليفة
هـ.
الملك
الأموي كتبت بعد سنة 67. وهذه الرسائل تحوي موقف جماعة عبد الله بن إباض من الخليفة عثمان والأمويين، جوابا لطلب عبد مروان الذي أراد معرفة موقف الإباضية من عثمان بن عفان رضي الله عنه، والذي تربطه قرابة مع الرسول، وكذا موقفه من انتصارات معاوية وسرعة انتقامه من أعدائه وتغلبه عليهم، حيث تساءل عبد الملك أليست كلُّها دلائل على نصر الله لمعاوية وتأييده له وقبوله لأعماله؟
117