المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ١١٩

الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين

وعلى حسبه فإنَّ القطيعة والبراءة الصَّادرة في هؤلاء الأئمة المخطئون واجبة، لأنّ أعمالهم تقود إلى غضب الله وعذابه، ولأنهم كانوا يحكمون بشهواتهم ونزواتهم، ويوزّعون الثَّروات على حسب أهوائهم دون التفكير في المعاد ويوم

الحساب.

وبالمقابل فإنَّ هنالك أئمة ساروا على النهج القويم، سماهم عبد الله بن إباض بأئمة الهدى، هم الذين يتبعون كتاب الله، ويوزعون الثروة على حسب مقتضى الوحي وما أراد الله، هؤلاء الأئمة هم الذين لزمت طاعتهم والائتمار

بأوامرهم.

وفسر عبد الله بن إباض أنَّ الدّماء التي سالت في الفتنة التي وقعت بين المسلمين، أنها ما كانت إلا عندما تُرك

كتاب الله وسنة رسوله.

ويعلن كُوبلي بعد سرده لعناصر محتوى رسالة ابن إباض عن قاعدة مفادها: إنَّ طائفة الخوارج هم الوحيدين الذين أطلق عليهم لفظ الخروج، وهذا يدلُّ على أنَّ فرق الخوارج لم تكن تختلف عن بعضها البعض حتى المعتدلة منها، وهذا على الأقل في عهد عبد الله بن إباض.

وفي حقيقة الأمر أن هذا الاستنتاج من كُوبَرلي يضعنا أمام، احتمالين إمَّا أنَّ أعمال القتل والترهيب من الأزارقة

لم تكن قد عرفت بدايتها بعد، وهذا الاستنتاج صائب والذي أميل إليه، أو أنَّه يصف الفرق الخارجية المعتدلة بنفس وصف المتطرفين من الأزارقة، وهذا مخالف لما بينه من قبل في رسالة عبد الله بن إباض على اعتبار المسلمين أنهم أهل

قبلة، لا يجوز قتالهم أو قتلهم.

ج الرّسالة الثانية لعبد الله بن إباض:

الرّسالة الثانية لعبد الله بن إباض أضافت بعض التفاصيل فيما يخص الحديث عن علي (كرم الله وجهه)، ويبدو من خلال الوهلة الأولى أنّ الرّسالة الأولى تتضمَّن الموقف من عثمان رضي الله عنه، أمَّا الرّسالة الثانية فكانت عن الموقف من على كرَّم الله وجهه).

في هذه الرسالة أيضا تبيّن العلاقة في قرابة علي (كرَّم الله وجهه)، والرسول، وكيف تربي في كنف النبي، وكبر في رحابه ولكنَّ هذه القرابة لا تعطي له ذريعة أن يتصرف بما يخالف إرادة الله تعالى، أو الحكم بما يغضب الله تعالى، كما كان هذا آخر حياته واستدل بالآية ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوينَ﴾ (سورة الأعراف: 175 - 176)، أي كان على هدى وتقوى ثم غير نهجه وسيرته.

ويبين كُوبَرْلي أنَّ الاستدلال بهذه الآية يضع تصرُّفات علي بالتوازي مع تصرفات وأعمال الشيطان. (1)

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 26

119