المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين

وهذا الحكم والفهم من كوبرلي خطير جداً، ولا أعتقد أنه مذهب عبد الله بن إباض، فَسَرْدُ الآية في هذا

السياق يراد به الخروج عن المنهج والرُّجوع عن الحق، ولا يصل الأمر بالمقارنة بالشَّيطان. ومن هنا يتبين أن إبن إباض يضع خطورة الإصرار على المعصية وعدم التّوبة مقاما عظيما، ذلك أنها تؤدّي بصاحبها إلى عدم الإيمان بالخلود في جهنم، أو تجاهله.

وأضاف كُوبَرْلي أن هذه الرّسالة من عبد الله بن إباض لم تشمل فقط على انتقادات لسياسة الدولة الأموية، بل فيها أيضا نقد أو تلميح لعقيدة الشّيعة، حيث كان فيها تعليق على عقيدة المهدي، وهي عودة الموتى من قبورهم قبل يوم القيامة، حيث يعتبره رأيا لا يقوم على أساس، لأنَّه أخذ من غير كلام الله تعالى.

انطلاقا من هذه الرسائل التي تشتمل على آراء وأفكار للفرقة الإباضيَّة فإنَّ كُوبَرْلي يرى أنَّه بالفعل أنَّ هذه

الرسائل تضع وتؤسس لبنات للعقيدة عند الإباضيَّة، والتي هي منطلقات تليها إثراءات على مدار التطور التاريخي. لقد كانت بدايات للتأسيس المبادئ الإمامة، وما يلزم أن يكون عليه الإمام، ثم حالة العاصي ومآله يوم القيامة، وكذلك موقفه من مسألة الشَّفاعة والقرابة من النبي، وتضع معالم للتَّطور اللاحق لمسألة الولاية والبراءة، ليس هذا فحسب، بل تنطلق من الواقع فتنادي بمبادئ العدالة الاجتماعيَّة التي تأخذ مكانا بارزا في العقيدة. ويؤكد كوبرلي أنَّه بعد خمسين عاما من وفاة عبد الله ابن إباض، نفس المبادئ نجدها في خطبة المختار بن

عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الذي خطبها حين دخوله مكة سنة (129 هـ / 747 م).

وهذا مما جعله يؤكّد استمرار هذه العقيدة وأخذها جيلا عن جيل، وأصبحت عماد هذه المدرسة الجديدة، المدرسة الإباضية، بالرغم من أنَّ الجو مع المروانيين كان متوترا، ولم يكن باليسير التعامل معهم، أو الخروج إلى العلن. د وثيقة محبوب بن الرحيل (1):

تعتبر وثيقة محبوب بن الرُّحيل من بين أهم الشواهد القديمة، قبل تبلور العقائد على الشكل المنهجي المعروف،

(1) محمد بن محبوب بن الرُّحيل، أبو عبد الله: (ت: 260 هـ): هو الشَّيخ محمد بن محبوب بن الرّحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، وكان بن من الدعاة البارزين في مرحلة الكتمان بالبصرة، ويكنى بـ"أبي عبد الله"، فإذا ذكر في كتب الإباضِيَّة المشارقة فإنَّه المقصود غالبا وذلك لكثرة رواياته وآرائه وقد تأثر به الكثير من الفقهاء، وتحتل آراؤه مكانة رفيعة في التراث الإباضيمشرقا ومغربا،

هو

نشأ أيام الإمام غسان بن عبد الله وعاصر الإمام المهناوبرز في أيَّام الصَّلت بن مالك سنة 237 هـ حيث شارك مع عليّة القوم في مبايعته، قدم إلى صحار سنة 249 هـ فؤلّي القضاء بها من قبل الصلت بن مالك، من شيوخه: أبو صفرة وموسى بن علي الإزكوي، من تلاميذه: ابناه عبد الله وبشير، والفضل بن الحواري، وأبو جابر محمد بن جعفر، تولى رئاسة العلم والعلماء أيام الإمام الصلت بن مالك

(272 - 237 هـ)، لم يزل على القضاء بصحار حتى توفي سنة 260 هـ، من آثاره: مختصر من، وله سير كثيرة منها: سيرته إلى أهل المغرب، وسيرة إلى أحمد بن سليمان إمام، حضرموت، وسيرة إلى أبي زياد خلف بن عذرة.

120

(201822:30/ 02/09 http://www.taddart.org/?p=9260)