المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٢١الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
ولكن ينبغي الإشارة إلى أنَّ وثيقة محبوب بن الرحيل بعثها لعبد الله بن يحي الملقب بطالب الحق، تضمنت نصائح يطالب فيها هذا الإمام والقائد في نفس الوقت بالاعتدال، حيث دخل حضر موت وجنوب الجزيرة العربية، وكان قد
بعث من قبل أبي عبيدة لإقامة إمامة إباضية في حضر موت وجنوب اليمن في (127 - 128 هـ. / 745 - 746 م) ويفسر محبوب بن الرحيل الطَّاعة، التي يعتبرها من قواعد الإسلام، والتي كما ذكرت في القرآن الكريم جزء من التَّقوى والإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة ........ الخ، ثم ما يتبعه من عبادات كصيام وحج بيت الله الحرام لمن استطاع وله من الإمكانيات والمقدرة على ذلك، وكل هذه الأعمال لابد أن تتبع بنية الإخلاص، والوفاء بالأمانات، ومصاحبة صاحب الحق، ومفارقة أصحاب الباطل، إذ هي من أساسيات الإسلام، و أنها من مبادئ الدين، وأركان
الإيمان.
محبوب بن الرحيل يفرق بين التعاليم الكلية الأساسية، مثل عدم الشرك بالله، وعدم القتل بدون حق، وعدم الاقتراب من الزنا .... الخ، والتعاليم الفرعية
كما بين أنَّ من بين الشَّرائع ما لا يرقى إلى درجة الوجوب، لكنَّها حسنة مثل الحج النافلة، والعمرة، وصدقة وهو صيام التطوع خارج، رمضان وكذا قيام الليل، وقراءة القرآن بتدبر، ومن أعطى الله له هذه
النافلة التطوع، وصوم فهو موفّق من عند الله، ويحتفظ بصفة الإسلام ما دام مخلصا ومداوما على هذا النهج وهذا الطريق.
وفي وثيقة محبوب بن الرَّحيل عقد فصلا لبيان الفرق بين المعاصي الكبيرة والمعاصي الصغيرة التي هي أقل أهميَّة، حيث إنها لا تنفي عن صاحبها صفة الولاية، كما بين أنَّ اللمم أو السَّهو أو الغفلة تدخل في باب الذُّنوب الصغيرة.
بالمقابل فإن الكبر والحميَّة والإصرار على المعاصي تفقد صاحبها الولاء الرُّوحي وتدخله في البراءة.
وكل معصية أو مخالفة لا بدَّ أن يكون بعدها نكال، وعقاب في الحياة الدنيا أو في الحياة الآخرة.
يعقب ويشير كوبرلي إلى ملاحظة مهمَّة أنَّ محبوب بن الرُّحيل لم يشر إلى كون العذاب أبديًّا أو غير ذلك، وهذه إشارة واضحة إلى أمرين: إما أنَّ المسألة بين الإباضيَّة قد حسم فيها بالخلود الأبدي للعصاة، فلا داعي لذكرها كل مرة، أو أنَّ الموضوع لم يرق إلى تلك المجادلات والتي عرفت فيما بعد.
ويذهب كُوبَرلي إلى أنَّ محبوب بن الرّحيل في مسألة توبة العاصي، نلمس منه تخفيفا، على عكس الرأي الغالب في الإباضية الذين يذهبون بعدم فاعليَّة التَّوبة بعد الموت، إذ يذهب ابن الرَّحيل إلى اعتبار أنَّ الله قد يحدث له توبة في الليل، فنستشف من قول محبوب ألا نحكم على العاصي بأنَّه من أهل النَّار، ذلك أنَّه قد يكون تاب في ساعة قبل
موته ولو لم نعلم منه ذلك.
تحدث محبوب بن الرّحيل عن الولاية وبالخصوص حول شروط عودة التائب إلى الأمَّة، وهذا ما يجعلها عناصر
متطوّرة في العقيدة.
121