المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٢٤الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
بعد إلى مسألة خلق الله لأفعال الإنسان سواء الحسنة منها أو القبيحة.
كما قرَّر أنَّ واصل بن عطاء قد أثر على بعض الإباضيَّة في هذه المرحلة، ومن هؤلاء يذكر شخصا يسمى أبو محمد النهدي، (1) الذي عقد مجلسا في البصرة، وكان هذا المجلس مشهورا ولم يكن خفيًا على أحد، حيث إنَّ أبا محمد النهدي كان يتعامل مع واصل بن عطاء خفية ولم يكن يظهر ذلك للعلن، وأخذ عنه بعض الأفكار في القدر، لكن لم يعلن عنها. (2)
ويبدو أنَّ كوبرلي بذكره هذه الواقعة أراد أن يبيَّن أن بعض العلماء الإباضيين تأثروا ببعض الأفكار الاعتزالية في مسألة القضاء والقدر، ذلك لعله راجع إلى عدم وضوح الرؤية الإباضيَّة في المسألة، وعدم تبلورها بشكل واضح، وفي نفس الوقت يبين أنَّ الاتجاه الإباضى الأوَّل رفض الانسياق وراء هذه الأفكار الجديدة، مما يدلُّ على استقلاله في بلورة أفكاره، وليس خليطا من شتّى المذاهب كما عبر عنه بعض المستشرقين الايطاليين.
ب تحديد الاتجاهات المذهبيَّة من خلال الخيارات السياسية:
يعتبر كُوبَرْلي أنَّ السياسة هي أهم دافع من أجل بناء تصور مذهبي عقدي لمختلف الآراء والاتجاهات، وهذا الرأي من كُوبَرْلي يحتمل جانبين فالأول خطير جداً إذ يتعلق بلي النُّصوص أو إعطاء بعض القضايا الدينية مفاهيم تخدم بعض الاتجاهات السياسية من أجل تبريرها وإضفاء صفة الشرعية عليها، والجانب الثاني فهو في الغالب هو المعارض للسلطة، حيث يواجه أخطاءها بتصحيح التي قد تغلّف السُّلطة أفعالها بغطاء الدين، لكي تعلو عن كل نقد أو تصويب كما يزعم أنه يعود إلى المفهوم الأصلي للنصوص، ويرجع إلى مراد الله في وحيه. ومن هنا نستشف قيمة الرسائل في التُّراث الإباضي وبالخصوص مراسلات عبد الله بن إباض التي موجهة ضدَّ تصرُّفات الحكّام، وكذا وثيقة محبوب بن الرّحيل.
المفاهيم
(3)
فلذلك كان هنالك انبثاق أسئلة من الواقع السياسي، ومن بينها حالة العاصي وعلاقته بالمجتمع، حيث إنها تطرح إشكالا سيكون موضع الحديث عنه في فصل المنزلة بين المنزلتين أو الأسماء والأحكام في دراسة العقائد لاحقا. واعتبر كُوبَرلي نشوء المذهب الإباضي كان في بيئة تنتشر فيها المذاهب المعتدلة، وتختلف آراءهم دون نزاعات ولا مصادمات، مما جعل فكره بعيدا عن التَّطرف، ولأجل هذا أعلنوا اختلافهم مع الأزارقة الذين تبنوا منهج العنف
(1) أبو محمد النهدي، (حي بين: 106 - 121 هـ /724 - 738 م)، أبو محمد النهدي البصري، ذكره الدرجيني ضمن أعلام الطبقة الثالثة (100 - 150 هـ/718 - 767 م)، وصنفه الشماخي في طبقة تابعي التابعين من الأنصار الأوائل لمذهب أهل الدعوة؛ كان خطيباً، دعا الجماهير في البصرة إلى الخروج على والي العراق خالد بن عبد الله القسري (ولايته: 106 - 121 هـ/724 - 738 م)، لميا جوره وظلمه. معجم أعلام الإباضيَّة، رقم التَّرْجَمَة: 778، ص 749/ 4.
فشا
(3) المصدر السابق، ص 34
(2) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 28
124