المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٣الفصل التمهيدي:
ثم جاءت معركة صفّين (1) (37 هـ / 657 م) (2) أين وقعت فيها مواجهة بين علي ومعاوية الذي لم يعترف بعلي إماما، وشقّ عصا الطاعة، فوقعت مواجهة بينهما في صفّين، وتحارب الفريقان حتى كادت الغلبة تكون لعلي، فالتجأ معاوية إلى حيلة تنجيه من شرّ الهزيمة فأمر جنوده بحمل المصاحف على السُّيوف، إشارة للدعوة إلى العودة إلى كتاب
الله ليحكم بينهم.
وقبل علي بالتحكيم، إلا أنَّ فريقا في صفّه تنبه لهذه الإشكالية كيف لعلي وهو الخليفة الشرعي أن يقبل بالتحكيم، إلا أن يكون قد شكَّ في خلافته أو أراد التنازل عنها، فطلبوا منه الاستمرار في القتال حتى الفوز، لأنَّ هذه خدعة تستّرت تحت "حق أُريد به باطل"، لكن عليا آثر الاستمرار على ما بدأه اعتقادا منه أنَّ المحكمة ستنفضُ لا محالة بإقراره خليفة، وتكون الأمور قد سويت بطريقة سلمية دون إراقة الدماء.
مع هذا الاصرار من علي على التحكيم انفصل عنه الفريق الرافض للتحكيم إيمانا منه أنه لم يعد هناك إمام، ولا بيعة في عنقهم، كما لا تلزمهم طاعة لأحد، وانزووا إلى مكان بعيد في ذلك الحين أسفرت النتائج عن إقرار الأمر لمعاوية وخلع إمامة علي، مما اعتبره عليَّا خديعة لا يمكن قبولها، وعزم على مواصلة القتال، لكن لم يعد جيشه بذلك العدد الذي واجه به معاوية في البداية، فطلب من الفريق الذي انشق عنه بالعودة والانضمام إلى جيشه، إلا أنَّ هذا الفريق كان قد انتخب إماما له، وهو عبد الله بن وهب الراسبي بعد تنازل علي عن خلافته، وطلبوا من عليّ مبايعة الإمام الجديد والدُّخول في صفّهم، وقابل ذلك عليّ بالرفض فأراد أن يرجعهم لصفّة بالقوة فالتقى بهم في النهروان، فدارت معركة بين الفريقين، تسمَّى بمعركة النهروان (38 هـ/ 659 م) (3)، فقتل العديد منهم ومن بينهم إمامهم عبد الله
بن وهب الراسي.
هرب البقية ممن نجا من المحكمة إلى قرية تسمى حروراء، (4) ومنها أُطلق عليهم الحرورية، فاجتمعوا هنالك للنظر
(1) صفين: قرية قديمة أسسها الرُّومان تقع على الشاطئ الغربي من نهر الفراث. ينظر: زكرياء بن محمد بن محمود القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ص 214.
(2) وقعة صفين: معركة بين جيش علي (كرم الله وجه)، وجيش معاوية وقعت في سنة (37 هـ/ بعد سنة 657 م)، أي بعد عام من معركة الجمل، في منطقة تسمى صفين، التحم فيها الجيشان وكادت الغلبة في آخر المطاف أن تكون لجيش علي، إلا أنَّ الحرب انتهت بمكيدة رفع المصاحف على الرّماح، والدَّعوة للتحكيم، وتوفي فيها حسب الروايات التاريخية سبعون ألفا من الفريقين. (3) معركة النهروان: معركة كبيرة وقعت بين جيش الإمام علي (كرَّم الله وجهه) والمحكمة سنة 38 هـ/658، في النهروان (منطقة بعيدة من بغداد بـ 659 كلم)، ولذلك سميت بهذا الاسم، وقعت المعركة بين المحكّمة والإمام علي كرم الله وجهه اثر اختلافهم في قضيَّة التحكيم، وانتصر علي في المعركة بعد سقوط قتلى من الطرفين. مصطلحات الإباضية، 944/ 2.
معجم
(4) حروراء: قرية قريبة من الكوفة وهي تبعد عن جنوب العاصمة بغداد 170 كلم.
13