المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ١٤

الفصل التمهيدي:

في أمرهم، وهناك وقع الانقسام داخل الحرورية ففريق وقع تحت وطأة حبّ الانتقام ورد العنف بالعنف، وفريق آثر التوقف والتريث وعدم مجابهة القوة بمثلها.

فأما الفريق الأول الذي مال إلى الانتقام فابتكر في ذلك ما يسمى بالاستعراض، (1) وحاول أي يستدل بآيات من القرآن الكريم ويفسّرها على غير المراد منها في سياق الآية (2) وحكم على المسلمين بالكفر والشرك، وكل من أطاعهم وسار على نهجهم، وأنَّ البلاد التي يحكمها هؤلاء الحكام إنما هي بلاد شرك فلا يجوز الاستقرار فيها، وجعل من الهجرة فرضا واجبا، وقتال هؤلاء الذين حكموا عليهم بالكفر أمرا لازما، وهذا الفريق يُطلق عليهم الأزارقة نسبة لزعيمهم نافع ابن الأزرق. (3)

يعني

وأما الفريق الثاني من المحكمة فهو الذي آثر البقاء وعدم الهجرة، وفضَّل عدم الانسياق وراء هذه التأويلات الفاسدة، واعتبر هؤلاء مؤمنين وبلادهم بلاد إسلام. هذا المنطق المسالم لم يرق الأزارقة فأطلقوا على هذا الفريق اسم القعدق (4) الذين قعدوا وتخلفوا عن الجهاد والهجرة في سبيل الله، والذي لم يرق أيضا بطبيعة الحال للفريق الذي بقي في حروراء، لأنَّ هذا الإطلاق إنما يراد به القدح لا المدح، ولأنَّه يقصد به التَّخلّي عن فرض من الفروض الدينيَّة وهي الهجرة والجهاد في سبيل الله. من خلال هذا نستطيع أن نفهم إطلاق لفظ الخوارج، أنّه يُراد به فرقة الأزارقة بعدما فسروا الآيات على غير ما

عفان

طائفة منه

(1) الاستعراض: هو قتل بدون وجه شرعي، وهو قتل كل من يعرض لهم من المخالفين المسلمين. (2) ومنها قوله تعالى: "وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (الأنعام، 121)، فسَّروها بمعنى وأن أطعتموهم في الحرام يعني في أكل الميتة يحكم عليهم بالشرك، والأصل ان أطعتموهم في استحلال الشرك. (3) نافع بن الأزرق (65 هـ/685 م): نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، رئيس فرقة الأزراقة وإليه ينتسبون، كان أمير قومه وفقيههم، من أهل البصرة، عرف صحبة ابن عباس في أول أمره، وله أسئلة رواها عنه، وقد أخرج الطبراني بعضا منها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير، وكان من أنصار الثورة على عثمان بن (رضي الله عنه)، اجتمع هو جماعته في حروراء وأعلنوا انفصالهم عن علي، وانشق عن الحرورية لآرائه المتطرفة التي لم ترق لهذه الطائفة وقصد الأهواز مع وبدأ يعترض النَّاس المخالفين له، وقاتل مع ابن الزبير مكة جيش الشام، وانفضعن ابن الزبير بعد أن علم رأيه فيه، وانفصل عن ابن إباض بعد أن اختلف معه في الهجرة، فتبرؤوا منه، وقاتله المهلب بن أبي صفرة حتى قتل سنة 65 هـ/ 685 م. (4) القعدة: اسم أطلق على أتباع أبي بلال مرداس بن حدير بعد معركة النهروان 38 هـ/658 م، لأنهم قعدوا ورفضوا الخروج على الحكام الأمويين، وهذه الفرقة تمثل الفرقة المعتدلة من المحكمة، والتي تعتبر بذرة لنشأة الإباضية، والتي بينت تمايزها عن المتطرفين الذين قاتلوا السلطة وأتباعها وعرفوا فيما بعد بالأزارقة، وقد عاش القعدة رغم اتباعهم النَّهج السلمي في خوف وكتمان لتعقبهم من قبل الدولة الأموية، واعتبارهم كلهم معارضين. معجم مصطلحات الإباضية، ص 799/ 2.

في

خير الدين الزركلي، معجم الأعلام،

ص

14

351/ 7