المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٣٦الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
يعيد كوبرلي من جديد طرح السؤال، ويقول: هل فعلا أنتيبغورين لا يرى أنَّ الفرق بين الجبر والجبل، فرقا واسعا، وأنه فرق شكلي ليس جدري، وغفل عنه إلى هذا الحد؟ (1)
أو أنَّه يميل إلى رأي العلماء المتكلمين من المغرب والذين هم معارضون لشيوخ جبل نفوسة في هذا الإشكال؟ وهذا فيه دلالة أيضاً على أنَّ تيبغورين من المدافعين عن حُرِّيَّة الاختيار والكسب. (2)
وهذا الجانب الذي يعتبره كُوبَرْلي مجهولا عند أبي نصر، لأنَّه باعتباره يقصره فقط عند حركة بسيطة في الجسم،
ويرى أن حركة الإنسان لا تكون إلا بعد الخلق ثم يكون الاكتساب من الإنسان، ليتم به الحركة. ويشير كُوبَرْلي إلى ملاحظة مهمة في الجانب، إذ يعتقد أنَّ تيبغورين قد تميز عن بقية علماء نفوسة الذي رأى
في وجهة نظر شيوخ المغرب أنها الأقرب إلى الصواب.
الأمة. (3)
كما أن باحثنا أشار إلى أدبيَّة من أدبيات الإباضية وهي أنَّ الخروج عن الإجماع لا يُقْصِي صاحبه عن مجموع الأمة، ذلك أنَّ الإجماع على الأصل باق، وهو نفي كل ما فيه اعتقاد بالجبر. وهذا الموقف من تيبغورين يعطي لنا مؤشّرا أساسيّاً، وهو أنَّه في المسائل الكلاميَّة، التي ليست لها أهمية كبيرة جداً، تعطى للعالم بعض الحُريَّة في الاجتهاد وحال مخالفته للإجماع، فإن هذا لا يخرجه من ومسألة حُريَّة الإنسان شيء مؤكد فيها، وهي قضيَّة مهمَّة محورية أساسيَّة، لتموقع القضايا الأخرى ضمنها، ومنها الفعل الإنساني، وجانب التأثير الإلاهي في الإنسان، وما يخص الله تعالى أو ما يخص الإنسان، هي قضايا غير مدركة ومتعلّقة بالتوحيد، مع رفض كل اشتراك في الفعل، من أجل إنتاج الحركة، لأن هذا قد يوقع في الشرك، وفي نفس الوقت يمنع كل تضمين استقلال الفعل الثانوي عن الفعل الأساسي، كل هذا يرجع بنا إلى القضية المركزية عند
تيبغورين وهي
التوحيد المتعلقة
بتنزيه الله تعالى.
تيبغورين يذهب إلى وجود مستوى لحركتين غير متنافستين أو متعاكستين بين الإله والإنسان، والتي هي من
جهة الله أنه هو الخالق للحركة، هو ينقل للإنسان حركة مؤقتة عرضية حيث تكون هي من نصيب الإنسان من مثل الاعتقاد، أو الخيانة، أو ما يتعلق بالحركة والسُّكون كالصِّيام، والصَّلاة .... الخ، هذه الأفعال الأخيرة ليست أفعالا
إلهية، إنما هي كسب من الإنسان.
وكوبرلي في معرض حديثه عن رؤية تيبغورين وتفسيره للفرق بين أعمال الخالق وأعمال الإنسان، يطرح أسئلة عديدة، يعتبرها محل إشكال، لكن لم يجب عليها تيبغورين.
(2) المصدر السابق، ص 82
(3) المصدر السابق، ص 83
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 82
136