المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٥الفصل التمهيدي:
أراد الله، فهم يمرقون كما يمرق السهم من الرَّميّة، كما روي في حديث لرسول الله (1)
إن أوَّل من تبرأ من هؤلاء هم المحكمة الباقية الذين أطلق عليهم الأزارقة فيما بعد اسم القعدة، (2) لقد تبرأوا من أقوالهم المخالفة لبقية نصوص الشرع، وحاولوا أن يردُّوهم إلى الطَّريق السَّوي بالحجة والاقناع، أحيانا بالمناظرات، وأخرى بالقوَّة، فقد وقع قتال بينهم في بعض المواضع، وقال فيهم زعيم الاباضية أبو عبيدة:"دعوهم حتى يحوّلوا أقوالهم إلى أفعال فإن فعلوا فقد وجب قتالهم، حتى يتوبوا".
انفصلت المحكمة عن بعضها البعض تحت وطأة خلاف فكري تحوّل فيما بعد إلى خلاف عقدي، بين الأزارقة الذين أُطلق عليهم فيما بعد الخوارج لخروجهم الواضح عن الدّين، والبقيَّة من المحكمة الذين أطلقوا على أنفسهم جماعة المسلمين، إذ يرون أنهم يمثلون المسلمين بحق.
عاث الأزارقة في الأرض فسادًا وترعيبا للمسلمين وواجهت السُّلطة الأموية الحاكمة في مواضع عدة، كما استغلت السلطة تطرُّف الأزارقة لمحاربة كل من لا يعلن لها الولاء والطاعة وذلك بوضعهم جميعا في بوثقة واحدة، مهما كانت مبرراتهم وخلافهم مع السُّلطة، فحاربت الأزارقة وجماعة المسلمين على السَّواء، كما استعملت في ذلك التشهير بهم، واتهامهم جميعا بالخروج والمروق في الدين كي يبعدوا عنهم كل تأييد أو نصير.
فبرز منافح ومدافع عن جماعة المسلمين يُسمى عبد الله بن إباض الذي راسل الحكام الأمويين ناصحا لهم في ما أخطأوا فيه، ومبينا لهم مبدأ خلاف جماعة المسلمين مع الأزارقة، ومن خلال هذا الظهور والعمل علانية ثم تسمية هذا الفرقة التي يدافع عنها وعن آرائها بالإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض، الذي تبني الدفاع عنهم، وكان بمثابة
عنهم
السفير الذي يعرض وجهة نظر الفرقة في كثير من القضايا، من أجل هذا ارتضوه مدافعا لما كان يتمتّع به أيضاً من حماية قبيلة بني تميم التي كانت لها القوَّة والنفوذ في البصرة.
حاولت السلطة الأموية بكل ما وسعها تأليب الناس على الاباضيَّة باعتبارهم ليسوا قرشيين ينشدون السلطة،
الله عنه:
(1) ونصه في البخاري: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل))، فقال عمر بن الخطاب رضي يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ((دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). أخرجه البخاري في صحيحه (3610) ومسلم في صحيحه بنحوه في الزكاة (1064).
(2) اطلاق لفظ القعدة على المحكمة من قبل الأزارقة انما يُراد به الدَّم، كما ورد في الآية الكريمة "لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَاهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (سورة النساء: 95)، والمراد بالقعود هو التَّخلُّف
ج
عن
الجهاد
في سبيل الله.
15