المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ١٤٤الفصل الأول: دراسات المستشرقين الفرنسيين
مصداقا للآية: ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ السُّورَى) (11) التي كانت محل ومحور النقاش مع
المجادل في آخر المطاف، والذي هو محل إجماع الإباضية لأنها متعلّقة بأصل من أصول الإباضية.
بالنسبة لموقفه من المعتزلة، فإنَّ كُوبَرْلي يرى أنَّ تيبغورين يوافقهم في مسألة رؤية الله، بل يعتقد أنَّه يوظف أدلتهم
وحججهم ليدعم بها آرائه، ونفس الأمر متعلّق بمسألة خلق القرآن حيث وافقهم في القضية. لابد أن نشير إلى أنَّ الموافقة التي ذكرها كُوبَرْلي لم يبين ماهيتها هي التأثير أو التأثر، أم كانت موافقة من خلال المنطلقات كما أشار إليها في موضع آخر من دراسته.
والقضايا التي خالف فيها الإباضيَّة، المعتزلة نجد من بينها قضيَّة الاستطاعة، حيث يعتبر الإباضية أنَّ الإنسان لا يخلق عمله، بعكس المعتزلة الذين يرون ذلك، كما أنهم لا يوافقونهم في المنزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الإيمان وبين منزلة الكفر، ونفس الأمر يتعلق أيضا بالصفات الإلاهية، وماهية الأسماء.
ويذكر كوبرلي أنَّ علماء جبل نفوسة كان لهم قوَّة البيان والحجة في علم الكلام، وتمكن في العقائد، لذلك فأهل المغرب يستعينون بهم، وهم الذين فصَّلوا في مسألة الصّفات الإلاهية وأفعال الإنسان. ولاحظ كُوبَرْلي أنَّ تيبغورين لم يقف طويلا في الفرق بين الجبر، والجبل، كما كان غالبا ما يفعله سلفه، بل مرَّ
عليه مرا سريعا، إشارة أخرى إلى أنَّ هذه النُّقطة قد فصل فيها وطويت.
وهو يوافق أهل المغرب أنَّ صفات الأفعال غير مخلوقة، وهو دلالة على توافق أهل المغرب مع النفوسيين. کتاب تبغورين لا يحتوي على الردود على الفرق الأخرى بأتم معنى الكلمة، مثل كثير من العقائد المتطوّرة، كما نجد في رسالة أبي عمار عبد الكافي في كتابه الموجز، حيث إنّ التَّطور التاريخي للمسائل كان بارزا بشكل أعمق، وقد دحض فيه آراء المبتدعة، والفرق الضالة.
يمكن اعتبار تقديم تيبغورين للمسائل العقديَّة وعلم الكلام تقديما كلاسيكيا للعقيدة مثل باقي العقائد، فلم يدخل في الجدالات الدَّقيقة، كما فعل ذلك أبو يعقوب إبراهيم الوارجلاني في كتاب الدليل والبرهان. ويخلص كُوبَرْلي إلى أنَّ تيبغورين في نهاية المطاف قدَّم لنا في بنية كتابه معالجة منظمة ومتوازنة، ونظرة شاملة
للعقيدة الإباضيَّة في عصره، وذلك من خلال استدلالات قويَّة، نصية وعقلية. (1) نقد دراسة كُوبَرْلي:
من خلال تحليل كُوبَرلي وبعض أعلام المدرسة الفرنسيَّة، نرى أنَّ تلك الدراسات سعت إلى إظهار المدرسة الإباضية من خلال كتبها ومصادرها، وهذا يظهر جلياً من خلال تأكيد كوبرلي اطلاعه على المصادر الإباضية،
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 92
144