المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان

لذلك انتخبوا عبد الله بن وهب الراسبي إماما لهم ولم يكن من قريش، إنما الأساس عندهم هو الانقياد لأوامر الله. ومن المواقف الأخرى التي تبناها الخوارج والتي أصبحت بواكير لآراء جديدة مستقلة عن الاتجاه العام، يذكر

شفارتز من بينها:

عدم الاجتهاد الشخصي مع وجود نص، وهذا دليل قولهم: "لا حكم إلا الله".

عدم اشتراط القرشية في اختيار الإمام

وجوب تطابق أفعال المؤمن مع أقواله.

ومن هنا نجد التمازج بين ما هو سياسي وما هو ديني، وبدأت ملامح الخلاف في الرؤى والمواقف تبرز وتطفو

إلى السطح.

ويعتبر الباحث أنَّ هذه أوّل إشارات بداية ظهور فرقة الخوارج بأفكارها المستقلة عن الآخرين، ويعقب على ذلك فيقول: "لكن يضل مبكرا جدا الحديث عن فرقة الخوارج مترابطة الأفكار ". (1)

كما يذهب إلى القول إنَّ فرقة الخوارج ليست أول الفرق نشوء فقد سبقتها بعض الفرق من قبل المحكمة والحرورية، كما يعتقد بإمكانية وجود فرق قبل وقعة صفّين، (2) ولكنَّه لم يذكر أمثلة على هذه الفرق، ولعله يقصد بذلك تيَّارات أو اتجاهات بدأت تظهر من خلال الاختلافات التي أعقبت معركة الجمل.

وسيظهر بعد ذلك أنَّ العلماء بدأوا يصطفون وراء الفرق التي يرون أنها متناسقة مع نهجهم، وبدأوا يبلورون أفكارها، ويُنظرون لمواقفهم ويدافعون عنها، وفي المقابل نجد الطرف الآخر يفند آراء الفرق الأخرى، ولكن ما هو ملاحظ وبارز أنَّ كل من دافع عن رأي من آراء الخوارج ولو كان فيها، حق، ألصقت فيه تُهمة الخروج (3)

وهذه ملاحظة مهمة جدا من شفارتز، فهي تبيَّن القهر الذي واجه أسلاف علماء الإباضية الذين كانت لهم بعض وجهات نظر متوافقة مع الخوارج، وهذا ما يأخذنا إلى معرفة سبب الجهل بهم، وخاصة لميا نعلم أنَّ علماء الحديث وعلماء الجرح والتعديل سيقصونهم تحت ذريعة الابتداع بعد ما أُلبسوا ثوب الخوارج.

وأعتقد أنَّ هذا الرأي لم يجانب الحقيقة، إذا علمنا خشية السُّلطة الأموية من التفاف المعارضين حول الإباضية،

الذين رأوا في آرائهم انتصاراً للحقِّ، ونبذاً للباطل في ضوء الواقع السياسي الذي كانوا يعيشونه، لكن الخوف من بطش هذه السُّلطة جعل علماء الإباضيَّة ينضوون تحت مسمَّى التَّقيَّة، ولم يعلنوا أوَّل الأمر انتماءهم لأيَّة فرقة، لذلك التبس على بعض الباحثين في نسبة بعض العلماء للإباضية.

(1) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord،P.20

(2) لعله يقصد بالفرق اختلاف الآراء السّياسيّة، وليست الفرقة هنا بالمعنى الاصطلاحي

(3) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 21 202