المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
لاحقا إلى الانعزال، حفاظا على وحدة المسلمين والقيام بالإصلاح من الداخل. (1)
وقد أخذ الإباضيَّة اسمهم من عبد الله بن إباض، وقبلوا بترحاب الانتساب إلى شخصيَّة من فرقتهم فهو شرف لهم رغم أنه ليس من حملة، العلم وكان ابن اباض يُنافح ويُدافع عن الإباضيَّة، وهو معروف من خلال رسالة بعثها لعبد الملك بن مروان سنة (65 - 685/ 86 - 705). يبيّن فيها براءته من الخوارج الذين هم حسبه هم الأزارقة الذين كانوا يقتلون كل من لم يوافق عقيدتهم، فيما يسمَّى بالاستعراض، فكل من لم يكن في حزبهم أو لم يأتمر بأوامرهم يعتبرونه عاصياً الله، فهو بالنسبة إليهم كافر مرتد يلزم قتله.
فنشروا بهذا الاعتقاد الرعب والخوف بين النَّاس، ومن هنا نفهم لماذا رفض الإباضيَّة اسم الخوارج بعد أن حمل في معناه صورة القتل والترهيب، وفي المقابل فإنَّ الدَّولة الأموية أعملت قتلا في كل معارضيهم، وجعلت الكل ينتفض عليهم، حتى القعدة الذين كانوا قد تبنوا المنهج السلمي لم يسلموا من القتل فانتفضوا دفاعا عن أنفسهم ضد الدولة. ويرى شفارتز أنه من خلال النُّصوص يتبيَّن أنَّ الرَّأي الغالب عند الإباضيَّة كان يدعو إلى التزام الهدوء وعدم
مواجهة الدَّولة، وحتَّ العلماء أتباعهم بالتزام الصبر والحلم وعدم مواجهة العنف بمثله.
ويذهب شفارتز إلى القول: "إنَّه رغم جهود الإباضيَّة وعددهم لم يستطيعوا أن يوجدوا لأنفسهم مكانة داخل
الدولة الإسلامية، وحتى بعد قيام الدولة الرستمية التي كانت قوية". (2)
ولابد من الإقرار أن دور الإباضية في العالم الإسلامي كان ضعيفا، وهو واضح من خلال ملاحقات السلطة الأموية لهم، واضطرارهم للعمل سرًّا، ثم رميهم بصفة الخوارج، ذلك الاسم الذي حمل كل معاني العنف والتقتيل الذي تبناه الأزارقة، لإبعاد كل تعاطف قد ينالهم من المسلمين، لذلك كان عدد أتباعهم ضعيفا جدا، وكل هذه العوامل جعل ضعف الإباضية أمر لا مناص منه، وقد استمر هذا الضُّعف حتى تأسيس الإمامات في اليمن وشمال إفريقيا. 3. تطور الجماعة الإباضية في البصرة:
يعتقد فان أس أنَّ إباضية المغرب يطلقون على أنفسهم اسم الوهبيَّة، (3) وهو نسبة لرجل من خوارج العراق القدامى، كان معروفا بالورع ومشهورا بتقواه، سقط قتيلا في معركة النهروان. (4)
ويبدو
أنَّ فان اس يشير إلى الصحابي عبد الله بن وهب الراسبي، الذي أصله من أزد عُمان، وقد يكون قد
استقر في العراق بعد مشاركته في فتوحاتها.
(1) جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 293/ 2.
(2) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 18
(3) وردت في التَّرْجَمَة كلمة الوَهَّابيَّة والأصح الوهبيَّة، ولا أخالها إلا سقطة من المترجم الذي قد يكون جاهلا بالفرق بينهما. (4) جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 296/ 2.
204