المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
ولكن غالبا ما ينسب الإباضيَّة لفظ الوهبيَّة للإمام الثَّاني للدَّولة الرستميَّة عبد الوَهَّاب بن عبد الرحمن، ومن
هذا الأخير اشتقَّ الإباضية في المغرب اسمهم الوهبيَّة، للتفرقة بينهم وبين النُّكار الذين لم يعترفوا بإمامة عبد الوهاب. نشأت الإباضية في البصرة شأنها في ذلك شأن جميع الفرق التي كانت قد استقرت في تلك المنطقة البعيدة عن عاصمة الدولة الأموية.
من العراق
كما ذكرنا سابقا فإنّ الإباضيَّة كانت من الفرق التي آثرت البقاء والانعزال والعمل السري والذي يعرف بالكتمان، حفاظا على أنفسهم وعلى وحدة الأمة الإسلامية (1) ورغم أنَّ بعض الفرق نادت بضرورة الهجرة، لاعتبار أنَّ البقاء في تلك الديار بقاء في الكفر، إلا أنهم فضلوا المكوث في البصرة، لاعتبارهم أنهم بين اخوانهم المسلمين، وصونا لوحدة الأمة.
إلا أنَّه ينبغي القول إنَّ صبر الإباضيَّة لم يدم طويلا، فالعنف لا يولّد إلا عنفا، آخر فبعد ثورة الأزارقة، وإرهابهم للنَّاس، وقتال الدَّولة الأموية للمعارضين لها، لم يكن عنف السُّلطة يفرق بين النُّوريين والمسالمين، فكان القمع يطال الجميع، فبرزت مظاهر طغيان الدَّولة، من سجن وتعذيب وقتل وتنكيل ولم يستسغ قبول هذا الأمر من بعض العناصر التورية التي كانت موجودة ضمن الحركة الإباضيَّة، فبدأت أصوات الثورة تطغى على أصوات التعقل والصبر. نتيجة لذلك برزت ثورات إباضيَّة في كل من اليمن وعُمان والمغرب وبقيت البصرة هادئة لأنها كانت تحت
عيون وآذان الأمويين وبقى أصحابها في الكتمان واستمرَّ الأمر على حاله حتى مجيء العباسيين.
وفي محاولة أخرى للإباضية من ربط علاقات مع السلطة العبَّاسِيَّة الحاكمة الجديدة، لتجنب الصراع والصدام، كان للنساء دور بارز في ذلك، حيث كن يقمن همزة وصل لبناء علاقات بين الإباضيَّة ونظام الحكم، واستمر ذلك إلى عهد المنصور، حيث كان الأزديون من قبيلة الأزد العُمانيَّة)، ولاسيما بنو المهلب يريدون أن يكون لهم قدم في سلطة العباسيين، كما كان شأنهم مع الدَّولة الأموية قبل الاختلاف معهم، وانقلاب الدَّولة عليهم في عهد الحجاج بن يوسف، وسماه فان أس بالطموح من أجل الزَّواج السّياسي، حيث يذكر أنَّ المنصور سمح لرجل من الإباضية بتلاوة القرآن في بيته، وهي دلالة على تحسن العلاقات بينهم.)
(2)
ولعل الزواج السياسي الذي يقصده فان أس هو دور الروابط العائلية في الحركة الإباضية البارز في استغلال
النساء وضعيتهن ومكانتهن داخل السلطة من أجل المساهمة في المهادنة ودرء أيَّة مواجهة بين الإباضية والعباسيين
والعمل على تحسين العلاقات بينهما، ومن بين تلك النِّساء نجد امرأة تدعى سعيدة المهلبية الإباضية زوج عبد
الله
بن
(1)
سنبيّن لاحقا المقصود بالحفاظ على الأمة الإسلاميَّة الذي ورد كثيرا في مبح الولاية والبراءة. (2) جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 307/ 2.
205