المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان

الكوفي.

وكان من بين تلامذة الربيع طالب اسمه عطيَّة، جاء إلى البصرة ليدرس عند الرَّبيع، وقد احتاط ليُخفي آراءه القدرية، لكن زملاءه علموا به فكشفوا أمره لأستاذهم الربيع فطرده من مجلسه.

ويعلّق شفارتز على هذا الموقف الصَّارم الذي اتخذه الإباضيَّة بحقِّ الذين تبنوا القدرية، أنهم لم يطردوا من جماعة الإباضية، وإنما طردوا من مجالسهم خوفا من الفتنة التي قد تمتد إلى النِّساء والأهالي)

(1).

ولكن فان اس في موضع آخر يقول إنَّه يبدو أنَّ هذه المسألة لم تكن من اهتمامات الربيع بن إنَّنا نجد أحاديث في مسنده تؤيّد موقف القدريَّة بشكل أكبر، وهذا ما كان يفعله القدرية والمعتزلة. (2)

وأعتقد أنَّ مصطلح القدرية لم يكن ينسحب على أتباع غيلان الدمشقي فحسب، بل كان أعم من ذلك، ولم يأخذ بعد معناه الاصطلاحي، الذي رُمى به المعتزلة والذي يُقصد به إفضاء الحريَّة الكاملة للإنسان، وخلق الإنسان

لأفعاله.

إلا أنه أعقب وبيَّن أنَّ المسألة تتلخص في التعريفات حيث لم تكن الإباضية بداية من الفرق المتشدّدة في صياغة التعريفات في ذلك الوقت، إذ أننا نجدهم يوردون مصطلح القدريَّة في موضوع بمعنى الجبرية، وكانت كلمة الجبر عندهم سَبَّة، أي تجبر الحاكم الظالم.

(3)

كما ذهب فان أس إلى أنَّه كان في الموصل إباضيون ذوو فكر قدري، ولكن دون أن يذكر أسماءهم.) وكان أبو عبيدة يقول بعلم الله المسبق، فقد نُقل عنه قوله من آمن أنَّ الله يعلم بالأشياء قبل وقوعها فقد آمن

بالقدر، ورجح فان أس أنَّ هذه الفكرة قد تعود إلى شيخه صُحار العبدي. وقصده أنَّ الله يعلم أعمالنا، ليس المراد منها أنَّ الله يجبرنا على أعمالنا، إنما قد يكون من باب المعرفة، كما أنَّ فعل الخير هو توفيق من الله وسداد. (4) ويعتبر فان أس أيضا أنَّ ابن يزيد الأصم كان إباضيّاً، وقد جادل القدريين واستعمل في ذلك المنهج الاعتزالي، فقال: "هذه الأفكار توجد لها موازنات لدى المعتزلة المتأخّرين، ولهذا على المرء أن يتساءل لعل أبا يزيد استند إليهم"، (5) فأعطى لذلك نموذجا لمناظراته، ومنها:

(1) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 47

(2) جوزيف فان آس علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 2/ 318.

(3) المصدر السابق، ص 315/ 2.

317/ 2

(4) المصدر السابق، ص (5) المصدر السابق، ص 576/ 1.

216