المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢١٧الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
لا يمكن لله أن يجعل الكفَّار كفارا، إنَّه يمنح النَّاس تفويضا، ولا يقضى على الكفر بنفسه، إنما فقط يقضي
على علاماته عن طريق بيان، الوحى، لكن الإنسان يخلق الكفر، بفعله، ولو أضل الله إنسانا فسيكون ظالما. اذن إشكاليَّة القدر عرفت تطورا في القرن الثَّاني الهجري، وكانت محل نقاش واسع بين العلماء في أوساط
الإباضية، حيث نصح أبو عبيدة النَّاس بعدم الخوض في الحديث أو الجدال في موضوع القدر. وفي المغرب الأوسط كان للمعتزلة وخاصة منهم الواصلية أتباع واصل بن عطاء مدعومين بقبائل بربرية إبداء آرائهم بكل حُريَّة، داخل الدولة الرستمية.
إلا أنَّ الإمام عبد الوَهَّاب لم يترك المسألة دون حسم، إذ أبدى موقفه وبلور القضيَّة، حيث أدان كل من يعتبر أنَّ الله لم يخلق الشر، ويعطي للإنسان كل التّصرف في أفعاله، وقرّر أنَّ الله أمر بترك الشر، ولكنَّ النَّاس يفعلونه. (1) ويرى شفارتز أنَّ إشارات لنظريَّة ضرار بن عمرو) في النصف الثَّاني من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، تؤيّد أنَّ الإنسان تسبق كل أعماله قدرة إلاهية وهو الذي سيطلق عليه لاحقا الكسب، بدأت ملامحه تظهر في الفكر
الإباضي، ولكن لم تظهر بوضوح في آراء عبد الوهاب.
(2)
ويبدو أنَّ الجدال في الموضوع لا يزال قائما حتى عصر الإمام أفلح بن عبد الوهاب، ولم ينته في الأوساط الإباضية، والذين وقعوا في تخبط حسب شفارتز، حيث يعتقد أنهم كانوا يدافعون عن موقفين تجاه هذا الإشكال، وهذا ما جعل الإمام أفلح -حسبه- بدون أن يشعر يقف موقف مشابه لعبد الله بن يزيد الفزاري، وهي أن أفعال الإنسان تدخل كُلُّها في خلق الله.
ولعل الأمر تشابه عند شفارتز، فالإباضية موقفهم كان ثابتا وهو القول بأنَّ الخلق كله
فينسب الشر للإنسان.
من
الله، بينما الفزاري
ولم يكن موقف عمروس بن فتح واضحا على حسب شفارتز، عند مناظراته للمعتزلة حيث يقول: "كنا ننتظر
منه موقفا أكثر وضوحا". (3)
ورغم أنَّ عبد الوَهَّاب قد وضع خطوطا أولى لحسم المسألة لكنَّ الأئمَّة الرُّستميين من بعده لم يبلوروا المسألة، ويقدِّموا الصيغة النَّهائيَّة، أو نموذجا رسمياً لموقف الدولة تجاه هذه المسألة.
(1) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 48
(2) ضرار بن عمرو الغطفاني (190 هـ /805 م): قاض من كبار المعتزلة، اختلف مع المعتزلة فكفروه وطردوه من مجلسهم، صنف كتبا منها ردود على الخوارج وعلى المعتزلة خير الدين الزركلي، معجم الأعلام، ص 215/ 3.
لم يورد عمروس بن فتح في مدونته الحديث عن 49 Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P(3) مسألة القضاء والقدر.
217