المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان وغيره في أحكام الله وحتى المنافقين في ذلك سواء، ولا يستثني منه إلا الكفَّار الذين لهم أحكام خاصة. (1)

أما المشرك فهو الذي يردُّ أوامر الله قولا وعملا، ومنهم كذلك المبتدع أو المحدث الذي يحدث في دين الله ما

ليس منه.

ويقول فان أس إنَّ أبا حنيفة سافر في شبابه عشرين مرة إلى البصرة ليجادل الإباضية والمعتزلة، (2) وهو يرى بخلاف الإباضية في مفهوم الإيمان، حيث لا يرى العمل يدخل في مسمَّى الإيمان والإيمان عنده هو الإقرار بوحدانية الله، كما يثبت صفة الإيمان على المؤمن الضَّال (3) الذي أتى بالمعصية، وهذا مقابل المؤمن المهتدي.

وبهذا المفهوم عن الإيمان من قبل أبي حنيفة فإنَّ فان أس يعتبر أنَّ هذا الأخير يكون في موضع إشكال في مصير أصحاب الجمل، حيث يتساءل هل يعتبر أطراف النزاع وهم من الصَّحابة الكبار كلهم مؤمنون مهتدون؟ أو أنَّ طرفا منهم ضال، يجيب فان أس، ويقول: يخفق أبو حنيفة في الاستنتاج أنَّ كلاهما أخطأ، ويضيف: إنَّ الجواب حتما يقودنا إلى الحل الإباضي، أو أن يكون الحكم بالقول "الله أعلم". (4)

وسرد هذه القصة من فان أس إقرار منه بواقعية المذهب الإباضي في الأسماء والأحكام، وفي عدم المساواة بين النَّاس، وبين المصيب والمخطيء، وبين الفاجر والمؤمن.

ويبدو

3. مصطلح كفر النّعمة:

أطلق الإباضية مصطلح كفر النعمة خروجا من الاشتباه بينه وبين الكفر المتعلق بالجحود والكفر العملي، أنَّ هذا المصطلح مستعمل كذلك عند الزيدية، لذلك طرح فان اس إشكال من استعمل أول مرة هذا المصطلح هل الإباضيَّة أو الزيدية، ومن أين دخل على مذهبهما؟ ولم يجد جوابا على ذلك فقال إنَّ السؤال يبقى عالقا انتظارا للجواب. (5)

ونتساءل عن الأهمية العلمية لهذه الأسئلة هل المراد منها دفع البحث في الحفر عن أصالة بعض القضايا في كل المذاهب، أو نجد انتخاب لطرح هذه الأسئلة على مذاهب بعينها، إيمانا بأنَّ تلك المذاهب لا تنتج أفكارا أو لا تبلور

(1) أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي، كتاب أصول الدينونة الصَّافية،

(2)

ص

60

جوزيف فان آس علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 276/ 1. (3) يرجح فان أس الضلال بمعنى الخطأ وليس الخروج عن الحق، أو عدم المعرفة حال الإتيان بالمعصية، وليس فعل المعصية بشكل واع، والضَّلال بمفهوم أبي حنيفة هو الرجوع عن الإيمان.

(4) أمام هذا الإشكال في قول أبي حنيفة يرجّح فان أس أن كتاب الفقه الأكبر ليس من تأليف أبي حنيفة، جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 298/ 1. (5) جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 375/ 1.

219