المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
عقائد، كحال مصطلح كفر النّعمة الجديد الذي تميز عند الإباضية.
وبين فان أس أنَّ الجدال كان كبيرا حول مصطلح كفر النّعمة خارج دائرة الإباضيَّة، أمَّا داخل المذهب فكان هنالك توافق وإجماع على استعماله، وأمام هذا المصطلح الذي قد يفهم منه التشدد، نصح الإباضية أتباعهم بعدم الغلوّ كالخوارج أمام المخالفين وعدم تتبع هفوات النَّاس وزلاتهم، ففي رسالة لمحبوب بن الرحيل بعثها إلى اليمن في النصف الثاني من القرن الثَّاني الهجري، ينصحهم فيها محبوب من الحذر في الوقوع في خطأ الخوارج من التشدد، وأوصاهم باللين مع المذنبين، فإذا صدرت منهم توبة، فلا بد من قبولها، وعدم التخمين في نواياهم، وقال إنَّه ليس كل تضيع الدين، وليس كل تجاوز للمحرمات يؤدّي إلى الكفر. (1)
غفلة من
الطاعة
وكذلك بيَّن فان أس أنَّ الإباضيَّة حاولوا قدر الإمكان الظهور باللين والرفق خاصة أمام المخالفين في البصرة، فهم أقليَّة، لكي لا يجدوا النفور من غير الإباضية أو الدخول في نزاع معهم، هم في غنى عنه، وبالتالي يكونوا هدفا لأعين السلطة الأموية، فكانت وصيَّة قادتهم عدم الغلوّ، والتَّجاوز عن بعض الأخطاء التي لا تصل إلى مرتبة الكبائر. 4. علاقة الإباضية مع غيرهم:
يذكر فان أس أن الإباضيَّة يطلقون لقبا مهذبا على المخالفين وهو "الإخْوَة في العقيدة" أو " أهل الصلاة" أو " أهل القبلة"، ومن هنا يتبين اختلافهم الكبير مع الأزارقة من الخوارج، لكن لا يطلق عليهم مسلمين، بل يكتفون بإطلاق اسم الموحدين عليهم، لأنهم لم ينكروا وجود الله.
صلے
وإطلاق لفظ الكفر للعاصي ليس المراد به كما يتبادر إلى الذهن الكفر المخرج من الملة، إنما المراد به كفر النعمة وهي معصية الله تعالى، وهو مأخوذ من قوله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (سورة إبراهيم، 7).
وهذه المضامين تنسحب على الإباضيَّة أنفسهم، فالإباضي الذي يرتكب كبيرة ولم يتب، ينتفي ويصير كافرا بارتكابه الكبيرة، ويذكر محبوب بن الرَّحيل أنَّ من ضمن الكبائر الإصرار على الصغائر.
منه
الإسلام
ويذكر فان أس أنَّ الحكم بالكفر بنوعيه كفر نعمة أو كفر شرك، هو الاتجاه العام لعلم الكلام الذي كان سائدا في البصرة في ذلك الوقت، وفي مجاراة هذا المصطلح فإنه مكان كفر النعمة يذكرون أحيانا مصطلح كفر النّفاق أو النِّفاق، وقد برَّرُوا ذلك أنَّ كفر النعمة في القرآن يرد بين النّفاق والشّرك، فلذلك وصف الله المنافقين بأنهم مذبدبين بين ذلك، مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (النِّسَاء، 143)
(1)
لم تكن الصياغة في رسالة محبوب بن الرُّحيل بهذه الصيغة لكن النسق العام يدعو إلى عدم اقتفاء أثر الأزارقة وعدم الغلو في الدين. محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 372.
220