المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان
يزيدوا للأمة الإسلامية لشرخها اتساعا، فلم يصدروا حكما على علي أو أتباعه هل استحق القتل بقتله أهل النهروان
أم غير ذلك؟ فأجابوا في ذلك بقولهم: " الله أعلم "
(1) "
لذلك يرى شفارتز أنَّ هذه نفس الحجة التي استقاها أهل السُّنَّة من أجل الدفاع عن العصر الذهبي للإسلام، الذي يمثل أغلبه أهل السُّنَّة من أجل إبعاد كل ما هو انتقاد لهم.
(2)
وقد حاول العلماء الإباضية تطبيق مبدأ الولاية والبراءة بحذر في بداياته، خاصة فيما يتعلق بالجانب الفقهي منه، والمذهب في ذلك الوقت لا يزال في مرحلة مخاض، لذلك امتنعوا عن البراءة من بعض أشخاص اقترفوا كبائر. أما ما يتعلق بصاحب المعاصي الصَّغيرة فيبقى في حكم المسلم، يقول شفارتز: "وصاحب المعاصي الصغيرة يبقى مسلما هذا ما وجدنا في كثير من الكتب القديمة". (3)
6. بين الوقوف والإرجاء
من أجل رفع الالتباس عن النَّاس في حالة الولاء والبراء أوجد الإباضية طريقا وسطا بين الولاية والبراءة وتُسمى بالوقوف، وهذا عندما يكون الإنسان في حالة شل (4) فلا يمكن أن يكون لا في حالة الولاية ولا في حالة البراءة. ويعتبر شفارتز أنَّ هذا كعقيدة الإرجاء، (5) ويبدو أنه يقصد هنا الارجاء اللغوي لا الدِّيني الأُخروي، أي يعني
إرجاء الحكم عنه لانتظار معرفة حاله، أمَّا الإرجاء الذي يُعرف به المرجئة فالمراد به إرجاء أمره إلى الآخرة. ولكي يُرفع اللبس عن الوقف والارجاء فإنَّ الإباضيَّة بينوا موقفهم أنَّ الله لم يؤخر في أي حال من الأحوال الحكم على معاصى الإنسان فالله قد كتب العذاب للعصاة والجنّة للمؤمنين ولا أحد يملك الحق في الحكم على
العصاة خروج
من النار.
ويذهب إسماعيل الجيطالي (750 هـ/1349 م)، إلى القول إنَّه لا يجوز استعمال الوقف إلا في حالات الشك، أي في الحالات التي لا نستطيع فيها الحكم بالولاية، والبراءة، وكذلك الوقف يكون لأطفال المشركين حتى يبلغوا (6) وقد طبق الإباضيَّة الوقف في قضيَّة مقتل عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد الحضرمي، إذ وجدا
(1) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 54.
54
(2) المصدر السابق، ص. (3) المصدر السابق، ص 56.
(4) يؤكد أبو عبيدة أنَّ الشَّكَّ المقصود به للسُّؤال، فلا ينبغي أن يبقى الإنسان في حالة شكّ دائمة، فإما أن يكون في الولاية، وإما أن
يكون في البراءة.
(6)
(5) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 54.
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، مذيَّلاً بحاشية أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي
(1678/ 1088)، ص 234/ 1.
223