المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

الفصل الثالث دراسات المستشرقين الألمان

مقتولين، سيف الواحد مغموز في الآخر، وأمام هذا الإشكال حيث لا يعرف من القاتل ومن المقتول، أو من قتلهما،

فإِنَّ الرَّبيع بن حبيب درءً للفتنة، أمر بعدم الخوض فيهما، وكان الحكم فيهما الوقوف.

ويقول شفارتز إنَّه رغم أنَّ قضية الوقف تعود إلى فترة متقدّمة على الربيع بن حبيب، أي في النصف الثاني من القرن الثاني فإنه لم يوجد لها تدقيق في كيفية تطبيقها، وقد نقل لنا أبو سفيان حوار بينه وبين الربيع في كيفية تطبيق

مبادئ الولاية والبراءة.

ويذكر شفارتز أنه من خلال تتبعه لبعض قضايا الولاء والبراء فإنَّ العلماء الإباضيَّة كانوا يأخذون بعض القضايا بحذر، ولم يكونوا صارمين، فبعض القضايا تستلزم البراءة إلا أن العلماء تسامحوا فيها، ويردُّ شفارتز ذلك إلى أنَّ الإباضية كانوا بين أقوام غير إباضيين في البصرة والحجاز، وهذا يدلُّ على أن الظروف الاجتماعية قد تؤثر في تطبيق الولاية والبراءة، لذلك قد يتساهلون في الحكم على بعض المعاصي، إلا أنهم لا يتساهلون مع إباضي صدرت منه

بدعة. (1)

ويورد شفارتز بعض القصص التي وقعت للربيع بن حبيب، حيث قال إنَّه اتخذ منها موقف الحازم، فحكم على صاحبها بالبراءة، وكان الوضع يقتضي أن يحكم عليه بالوقوف. ولعله يشير هنا إلى أنَّ الأمر يتعلق بين الإباضية أنفسهم، والحزم الذي ظهر به الربيع بن حبيب في بعض القضايا متعلق بالسّياق التاريخي والاجتماعي.

ويبدو أنَّ الأمر يختلف في الدولة الرستمية حيث إنَّ الإمام أفلح أوصى ولاته بالرفق وعدم الإسراع في إعلان البراءة، حيث ساوى بين المسلمين في الولاية، والبراءة، وأعلن أنَّه لابد أن تعقد ولاية البيضة لجميع المسلمين الذين مخالفات، ويقصد بها ولاية المسلم غير الإباضي الذي يعيش في دولة الإباضية، كما أنه لا ينبغي لمسلم

تصدر عنهم

أن يتبرأ من الحاكم ولو صدرت منه معصية، إنما هذا مكفول لأهل الحل والعقد.

وقد بعث الإمام أفلح رسالة إلى قائد جيشه ينصحه فيه بعدم التعسف في إعلان أحكام البراءة، وقد كتب القاضي عمروس بن فتح إلى الإمام أفلح على أنَّ أحكام البراءة صعبة التطبيق، فلا بد إبداء جانب من المرونة والتسامح. والولاية والبراءة تتعلق بظواهر الأشياء لا ببواطنها، لأنَّ البواطن لا يعلمها إلا الله وحده، لذلك فتطبيق الأحكام يتعلق بالظواهر لا بالبواطن. ويعتبر شفارتز أنَّ هذا التسامح من الإباضية لبناء علاقات مع المسلمين من غير الإباضية، ما داموا

(1) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 56

224