المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

الفصل التمهيدي:

في سنة 272/ 886 م، خلع فريق من العلماء الإمام الصلت بن مالك الخروصي، (1) الذي لم يستطع أن يتولى أمور الإمامة فقد بلغ من الكبر عتيا، ووضعوا إماما آخر في مكانه، مما أثار حربا أهلية داخلية في عُمان فانقسم

المسلمون بين طائفتين رستاقية ونزوانية.

وفي 893/ 280

م، بعد

عدة

سنوات من الحرب استنجد بعض المحاربين بالدولة العباسية، فاستغلت الدولة

العباسية هذا الظرف ودخلت بجيوشها وغزت عُمان، وأصبحت جزءا من الخلافة العباسية.

لقد وصف صاحب كتاب كشف الغمة هذا الغزو أنه كان قمعا عنيفا، حتى أنقنوات المياه والشقي، التي تستعمل للري وسقي المزارع لم تسلم فحُطّمت وهُدّمت عن آخرها، وكذا جاؤوا على الكتب فأحرقوها. (2) تواصل الانقسام مدة قرن من الزَّمن، في تلك المرحلة تعاقب على عُمان أئمة لم يستطيعوا الوقوف أمام قوة

العباسيين.

استمرَّت الحرب الأهلية في عُمان ومزّقتها إلى أمم ومناطق، حتَّى نهاية القرن التاسع الميلادي، أين سجلت تحولا كبيرا، إذ إنَّ قرار خلف الصَّلت بن مالك الخروصي وتدخل الدول العبَّاسِيَّة، أحدث صدمة عميقة لدى الاباضية في عُمان، فأصبحت حدثا بارزا ومسألة أثارت الكثير من الجدل، حيث كان انقسام كبير وفتنة في المكوّن الإباضي

العُماني.

نتج عن ذلك الشرخ انقسام واضح بين العلماء الذي نتج عنه بروز مدرستين فكريتين متعارضتين: مدرسة الرستاق التي يسيطر عليها المحافظون تعتبر أنَّه لابدَّ من المحافظة على ثوابت المذهب الإباضي في اختيار أو عزل الأئمة، بينما بالمقابلفإن مدرسة نزوى جمعت المعتدلين الذين يؤمنون بإمكانية التعايش مع الأحداث الراهنة، والاجتهاد بعيدا عن الجمود في النَّص، والسَّعي إلى حل الاشكالات الأساسيَّة في المذهب بكل موضوعية وواقعية. رغم هذا الخلاف الفكري حاول العلماء أن لا يمتد إلى العامة من النَّاس، لذلك سعوا جاهدين إلى توحيد الإمامة خلال أربعة قرون فقاوموا بكل ضراوة من أجل أن لا يطول النّزاع والفرقة بين أبناء المذهب، والذي قد يحدث

(1) الإمام الصلت بن مالك الخروصي: من آل اليحمد بويع سنة 237 هـ 851، وبايعه البشير بن المنذر ومحبوب بن الرحيل، اشتهر بتواضعه وورعه، أعاد جزيرة سقطرى (حاليا تابعة للجمهورية اليمنية) إلى عُمان بعد أن حرَّرها من النَّصارى للظلم الواقع فيه، بقي في خلافته ثلاثا وخمسين سنة حتى وهن وضعف فقرّر القاضي موسى بن موسى عزله، فانقسم المسلمون بين مؤيد ومعارض للقرار، بين الرستاقيين الذين أيَّدوا قرار موسى بن موسى، والنزوانيين الذين لا يزالون يرون في الصلت إماما لهم، توفي الإمام الصلت سنة 275 هـ/888 م. نورالدين عبد اللهبن حميد السالمي، تحفة الأعيان، ص 92، د. إسماعيل بن صالح بن حمدان الأغبري، عهد الإمام مالك وعمقه الحضاري، (مقالة) 12012= http://www.taddart.org/?p (2017/12/31، 09:30) (2) سرحان بن سعيد الأزكوي العُماني، تاريخ عُمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، ص 57.

الصلت

بن

23