المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الفصل الرابع: دراسات المستشرقين الإيطاليين
يكرهه على طاعته ولا على معصيته وقد علم من يعمل الطَّاعة ومن يعمل المعصية قبل أن يخلق الخلق، والقول بالجبر
باطل". (1)
كما يذهب أيضا إلى أنّ الوارجلاني لا يعالج هذه المشكلة، ولم يعطينا فيها رأيه، إلا أنَّه فقط أعاد ما كتب في الإحياء للإمام الغزالى الذي قدَّم الكسب أحيانا مثل الاختيار وأحيانا مثل الجبر.
وتبقى قضية الجبل قضيَّة تحتاج إلى تحقيق ودراسة معمَّقة بظهورها في جبل نفوسة، حيث يقول مورينو:"من المثير التحقيق في مسألة الجبل والطَّبع متى ولد وكيف؟، عندما نعلم أنَّه استند إلى حديث ابن عباس" لابد من الإشارة أنَّ ما ذكره هنا عن ابن عباس يعتبر أثراً وليس حديثا نبويّاً، (3) وقد ذهب أبو ستة إلى اعتبار أنَّ ما ذهب إليه ابن عباس لا يُلزم القول بالجبل رغم ورود هذا الأثر في سياق الحديث عن الجبل، وكأنَّ أهل الجبل استندوا عليه عند قولهم بالطَّبع، فمعنى هذا الأثر أنَّ الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وحدوثها، حيث يقول أبو ستة:" فالخلق إلى ما علم منقادون" بقوله" يعني أنهم لا يختارون إلا ما سبق لهم في علم الله، ولا يعلمون ما سبق لهم إلا بعد الوقوع فلا جبر ولا جبل". (4)
وأضاف أيضا أنَّ البحث في هذا الموضوع سيكون محفوفا بالمخاطر، ذلك أنَّه يَتَعلَّق بالقول بعقيدة الجبر في المذهب الإباضي والذي حاربه بقوَّة أسلاف الإباضية.
وفي خلاصة حديثه عن مسألة القضاء والقدر خلص مُورِينُو من خلال النصوص القديمة إلى أنَّ: 1/ الفرقة الإباضِيَّة حددت موقفها من القضاء والقدر في وقت مبكر، وفي نفس الوقت رفضت الجبر في وقت مبكّر أيضاً، وعبّروا عن أنَّ الفعل الإنساني ليس مادياً بحثاً أو غريزياً وإنّما كسباً.
(1) عبد العزيز التّميني (ت: 1223 هـ)، النُّور (شرح القصيدة النُّونيَّة للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي)، ص 161. (2) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 9.
عن
ابن عباس
(3) ونصه كما ورد في مسند الربيع بن حبيب: أخبرنا أبو قبيصة عن عمير وعن محمد بن يعلي عن جويبر عن الضحاك أنَّ نجدة الحروري أتاه فقال يا ابن عباس كيف معرفتك برتك فإنَّ من قبلنا قد اختلفوا علينا فقال ابن عباس أعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير تثبيت صورة، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالنَّاس، معروف بغير تشبيه متدان في بعده، لا ينظر ولا يُتَوَهَّم ديموميته، ولا يمثل بخلقه، ولا يجور في قضيته، فالخلق إلى ما علم منقادون وعلى ما سُطِر في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون بخلاف ما منهم علم ولا إلى غيره، يردون وهو قريب غير ملتزق، بعيد غير منفصل، يحقق ولا يمثل يوحد ولا يبعض يعرف بالآيات ويثبت بالعلامات". الرَّبيع بن حبيب الفراهيدي البصري، الجامع الصحيح (مسند الرَّبيع بن حبيب)، رقم الحديث: 839، ص 220
(4) محمد بن عمرو بن أبي ستّة حاشية الترتيب على الجامع الصحيح ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني لمسند الحافظ الثّقة الرَّبيع بن حبيب الفراهيدي البصري (ت 175 هـ)، ص 12/ 5.
(5) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 9.
251