المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣الفصل الرابع: دراسات المستشرقين الإيطاليين
موبقة ومعاصي صغيرة.
وموضوع تقسيم المعاصي موضع خلاف بين الإباضيَّة، فمنهم من يرى بأنَّ المعاصي كلها خطيرة، لذلك وقع
خلاف في معرفتها.
وهناك من يذهب إلى أنَّ الله عنا معرفتها، لكي يكون الإنسان دائما حريصا على عدم اقترافها، ولا يقع في الجدل والتَّمادي في الأخطاء الصَّغيرة، مع العلم أنَّ الإنسان عندما يجتنب الكبائر فإنَّ المعاصي الصغيرة تمحى
بالتَّبع.
وصاحب المعصية عند الإباضية داخل في حكم البراءة، وهذا الحكم لا يرفع عنه حتى يعلن توبته، التي من شروطها أن تكون علنيَّة، وكذلك وجوب صرف ما يلزم من الكفَّارات والعقوبات ونشير إلى أنه هناك بعض الاختلافات بين المشارقة والمغاربة في هذا الجانب، ولا نريد الولوج فيه خشية الإطالة.
ويعتقد مُورِينُو أَنَّ الإِبَاضِيَّة لا يُلزمون التّوبَة حال التقيَّة، فهو مرخص فقط بالكلمات، ولعل الباحث يقصد بها هنا التّوبَة العلنية، (1) وهذا موافق لآية سورة النحل، إشارة إلى قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ} (النَّحل، 106)، وكذا حديث عمار بن ياسر، (2) حيث ذكر آلهة قريش وتبرأ من الرسول
بلسانه وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته.
وذكر أيضا أنَّ الشيعة يستعملون الثقيَّة في حالات قليلة من شرب الدم وأكل الميتة، ولا يوسعون فيها كثيرا،
بينما الأزراقة يمنعونها بشكل صارم.
(3)
المطلب العاشر: الروابط بين المشارقة والمغاربة:
اعتبر مُورِينُو أَنَّه من خلال مسألة الولاية والبراءة نجد أنَّ كلاً من السَّالمي المشرقي والمصعبي المغربي قد عالجاها بطريقة واحدة، مما يؤكد توافقهما في المسألة، وهذا كذلك في العديد من المسائل الكبرى في المذهب الإباضي. لذلك يمكن أن يكون الخلاف بين المشارقة والمغاربة يَتَعَلَّق فقط بمسائل فرعيَّة تفصيلية من باب طرق تطبيقها،
ولا يَتَعَلَّق بالثوابت الكبرى للمذهب الإباضي، وفي مسائل تتعلق بالشك، وليس فيها يقين.
(1) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 10
(2) رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: "أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك، قال: مطمئناً، بالإيمان قال: إن عادوا فعد". رواه الحاكم، ص،357/ 2، وقال الحاكم صحيح الإسناد. (3) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 10.
253