المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤الفصل الرابع: دراسات المستشرقين الإيطاليين
الفرقة الوهبيَّة من المذهب الإباضى تمتدَّ من عُمَان ومستعمراتها (1) من زنجبار وغيرها إلى شمال إفريقيا، وهذا الانفصال الجغرافي لم يجزئ المذهب الإباضي، وهذا ردُّ من مُورِينُو على نالّلينو الذي يرى أنَّ المغاربة من إباضية شمال إفريقيا أكثر تطورا من خلال اتصالهم بالمعتزلة والشيعة أين تمت إضافات إلى مذهبهم. (2)
ويستبعد مورينو أن يكون المذهب الإباضي في شمال إفريقيا يمتاز بالاختلاف والتنوع، من باب أنَّه أُثري بآراء اعتزاليَّة كما يعتقد، ناللينو، بل لعله من باب أنّه كان المذهب الرسمي للدولة الرستميَّة، التي أولت له العناية والرعاية. ولا بد أن نعلم ثقل المشرق بالنّسبة للمغاربة، فقد كان أبو عبيدة سفير الإبَاضِيَّة في البصرة، حيث كان يُعتبر المركز الرُّوحي للإباضية، حيث منه انطلق الخَمْسَة الناقلين للمذهب إلى شمال إفريقيا، والذين يُطلق عليهم حملة العلم من بينهم نجد أبا الخطاب المعافري وعبد الرحمن بن رستم، ومنهم كذلك من أُرسل إلى عُمان.
ورغم أنَّ واصل بن عطاء زعيم المعتزلة كان ينشط بشكل واسع في البصرة وبالخصوص في عهد أبي عبيدة، كان لا يزال الإباضية يحافظون على نقاء مذهبهم وصفائه، ولم يكن لهم تأثر بهم، وبقيت البصرة على هذه الحال إلى أيام الخليفة المنصور (754 م/136 هـ- 775 م/158 هـ)، حيث لم تفقد بعد إشعاعها الديني، وبقيت كقطب للإباضية،
والتاريخ يذكر أنَّ الإمام الرُّستمي عبد الوَهَّاب بن رستم استقدم منها مكتبته بكاملها. وبعد أن تحوّلت بغداد عاصمة للدولة العبَّاسِيَّة، بدأت البصرة تفقد إشعاعها، فبدأ العلماء يهاجرونها إلى عُمان فحلت محلها مدينة نزوى المدينة الرُّوحِيَّة للإِبَاضِيَّة.
وأرجع مورينو مسائل التوافق بين الإباضيَّة والمعتزلة إلى وحدة المنطلق والمنهج لا التأثير والتأثر، فقال: "إنَّنا إذا وجدنا مسائل متماثلة التقى فيها الإِبَاضِيَّة مع المعتزلة فهذا من باب معاصرة الحركتين لبعضهما في البصرة، فقد كانت هذه الأخيرة مركز إشعاع للفرقتين". (3)
وأرجع مورينو أصول المعتزلة إلى القدرية فقال: "المعروف في الواقع أنَّ كل ميزات المذهب المعتزلي يعود حقوق تأليفها إلى القدرية" مما يدلُّ على أنَّ المعتزلة أنفسهم بعض قضاياهم لم تكن أصيلة فيهم. وكذلك فإنَّ القول بأن الإباضيَّة أخذوا من المعتزلة، قول لا يقبله المنطق التاريخي، فقد كانت الفرق متداخلة
حتى أنه كان لا يُفرّق بين الخوارج والمعتزلة، لما لهما من آراء أحيانا متشابهة.
(1) ذكر مورينو أنَّ زنجبار تعتبر مستعمرة عُمانيَّة، وفي حقيقة الأمر أنَّ عُمان التَّاريخية هي أكبر من سلطنة عُمان الحالية، فقد كانت زنجبار تابعة لعُمان الكبرى، التي تمتد حتى الإمارات الحالية والبحرين، فانحسار عُمان بفعل القوى الكبرى من انجليزية وأمريكية، جعلها
تتراجع إلى حدودها المعروفة حاليا بسلطنة عُمان.
(2) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 10.
(3) المصدر نفسه.
254