المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

الفصل الخامس: دراسات المستشرقين الإنكليز للمغاربة، وبالخصوص للإمام أفلح بن عبد الوَهَّاب (208 هـ/823 م)، حيث أثنى عليه هذا الأخير وأوصى بدراسته. ويبدو من خلال هذا التشكيك من وِيلْكِنْسُونْ أنَّه لم يوفّق تماما في هذا الاتجاه وفي هذا المنهج، وهذا يوضّح عدم إلمام الباحث ببعض القضايا التاريخِيَّة، ومنها أنَّ أبا سفيان محبوب بن الرَّحيل (العقد الأول من القرن 2 هـ) و أبو صفرة عبد الملك بن صفرة كانا معاصرين لبعضهما فقد كانا تلميذين للربيع بن حبيب (170 هـ)، وقد التقيا شيخهما ورويا عنه مباشرة، فكيف يمكن القول إنَّ ابن صفرة لا يمكن لقاؤه والتاريخ يذكر أنه هو الجامع لآثار الربيع

والقول إنَّ قضايا القدر لم تكن مطروحة في زمانه لا يقبله المنطق، فقضايا القدر كانت مطروحة منذ عهد شيخ شيخه، وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، بل أكثر من ذلك فقد كانت منذ الإمام الأول جابر بن زيد، حيث كانت لتلميذه أبي قتادة بن دعامة السَّدوسي (61 هـ - 118 هـ، 680 - 736 م) أقوال في القدر.

ومما يعطي أهمية لهذه السيرة أنها من مؤلّف يُعتقد أنَّه كان على رأس الإباضية، والذين بقوا في البصرة بعد هجرة أهمّ علمائها إلى عُمان، حيث إنَّ أبا سفيان يُعتبر من مواليد البصرة، ولم يولد في عُمان، وانتقل بدوره فيما بعد إلى عُمان، فكان يحمل إرثا تاريخياً لتلك المرحلة.

ويذهب ويلكنسون إلى القول إنَّ سيرة أبي سفيان تتضمن تبسيطات في صيغتها الأولى، إلا أنَّ المغاربة زادوا

فيها بعض التحسينات.

كما يعتقد أن المصادر المغربية تفتقد إلى روح النقد، وأعطى مثالا على ذلك من كتاب الطبقات للدرجيني الذي بحسبه قدَّم فترة تاريخية من أجل أن يجمع بين أبي سفيان والإمام عبد الله بن يحي الملقب بطالب الحق، حيث ذكر أنَّ أبا سفيان بعث رسالة إلى طالب الحق، واعتبر هذا مفارقة تاريخية صارخة. (1)

ويبدو أنَّ وِيلْكِنْسُون اعتمد على أبحاث كل من باتريشيا كَرُون Patricia Crone وفَرِيتَزْ زَمَّرْمان Fritz W Zimmermann(2) اللذين ذكرا في دراستهما حول سيرة بن ذكوان أنَّ أبا سفيان وُلد قبل سنة 140 هـ، كما احتملا أن تكون سنة 210 هـ تاريخا لوفاته، نظراً لتقدّم، سنّه، وبيَّنا أنَّه خَلَفَ أبا أيُّوب وائل بن أيوب الحضرمي على رأس الجماعة الإباضية في البصرة، أي حوالي سنة 190 هـ، كما كانت له علاقات طالب الحق. (3) مع

(1) جون گرافن ولكِنْسُون، الإبَاضِيَّة أصولها وتطورها المبكر في عُمان، ص 233.

(2) فريتز: زمرمان مدرّس بكليَّة الدّراسات الشرقية بأكسفورد، قدَّم بالتعاون مع باتريسيا كرون دراسة حول سيرة بن ذكوان. (3) جُون كَرَافَن وِلكِنْسُون، الإبَاضِيَّة أصولها وتطورها المبكّر في عُمان، ص 234. وقد أورد كتاب الطبقات الرّسالة التي بعثها أبو سفيان للإمام أبي عبد الله طالب الحق باليمن. أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (670 هـ)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ص 279/ 2—

262

288/ 2