المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٢٩

الفصل التمهيدي:

لقد كانت هذه المناطق هدفا لرسولين من البصرة هما سَلَمَة بن سعد (1) الذي كان يدعو لمذهب الاباضية، وعكرمة مولى ابن عبّاس (2) الذي كان يدعو للمذهب الصفري.

فقد قصدا المغرب، وبالضبط القيروان، أين حاولوا اقناع البربر للتمرد على الدولة الأموية، والانضمام إلى مذهبهم، ولم يجدوا في ذلك صعوبة، حيث تنسَّموا فيهم العدل والتَّقوى، وهذا عكس ما رأوه في الدولة الأموية من خلال بعض حكامها الذين لم يروا منهم سوى القهر والظلم وسلب الأموال.

وهذا ما حدا بالمبعوثين إلى اقناع كثير من المخلصين إلى الانضمام إلى صفّهم، وتكوين جبهة مقاومة الظلم

الأموي، وإحقاق الحق، ونشر العدل، ولا يكون ذلك إلا بانتخاب الأجدر والأتقى من بينهم.

لقد كان لدعوتهم صدى كبيراً بين البربر لما عانوا به من تسلُّط القادة الأمويين وولاتهم، واضطهادهم للسكان. وبدأت الثَّورة الفعليَّة الأولى في المغرب الأقصى، عندما اغتيل والي المغرب سنة 122 هـ / 740 م من قبل بعض

القبائل البربرية المنتسبة للصفرية.

نتيجة هذه الخسارة للجيش الأموي، استغل الصُّفرية مرة أخرى الموقف، فثاروا بقيادة عكاشة بن أيوب الفزاري في قابس في تونس سنة 124 هـ/ 742 م. (3)

بعد ذلك حاول كثير من القادة الاباضيَّة الاستيلاء على طرابلس، لكن جميع هذه الثورات المتتابعة أخمدت من

قبل الأمويين بإفريقيا.

في هذه المرحلة حوالي سنة 139 هـ /757 م، كان خمسة من تلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والذين

(1) سلمة بن سعد بنعلي بنأسد الحضرمي اليمني: (حي في (135 هـ/752 م):، عالم عامل وداعية، صنفه الدرجيني في طبقة تابعي التابعين، أخذ العلم عن إمام المذهب جابر بن زيد، وعن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، أوَّل من جاء من البصرة بمذهب الإباضية ليدعو إليه في المغرب، قيل إنّه أرسله الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، وقد نجحت سلمة بن سعد في الدعوة الإباضيَّة، وكان يقول مع نفسه قبل ذلك: وددت أن لو ظهر هذا الأمر من أوَّل النَّهار إلى آخره فلا أبالي إن مت بعد ذلك». معجم أعلام الإباضية، 391/ 3، رقم التَّرْجَمَة 418

جهود

(2) عكرمة مولى ابن عباس (رضي الله عنه)، أصله من بربر المغرب، وهب لابن عباس، الذي اجتهد في تربيته وتعليمه، وأعطى له اسما

11

عربيا، حتى أصبح من كبار العلماء، حيث يروي عكرمة عن نفسه: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب، وابن عباس في الدار"، ونظرا لعلو مكانته عند ابن عباس كان يضع ثقته في علمه ويقول له: "انطلق فأفتهم فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته" ويوصف أنه ذو لحية طويلة بيضاء، وكان لباسه القميص، ورداؤه أبيض، لقي أبا بلال مرداس بن حدير الإباضي، قال عنه قتادة: "عكرمة أعلم الناس بالحلال والحرام والحسن "، ولم يروعنه مالكا في الموطأ لأنه كان صفريا. محمد أعلام

النبلاء، ص

13/ 5

(3) د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص 223

أحمد بن

بن

عثمان، سير

29