المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣الفصل الخامس: دراسات المستشرقين الإنكليز
تأثيرات خارجية في البصرة، وفي وقت لاحق استعمل الإباضية الفسوق مع إزالة صبغته الاعتزالية. (1)
وقد أخطأت هوفمان في اعتبار أنّ الإباضيَّة يختلفون عن المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، إذ هم يعتبرون الإنسان
إمَّا مسلم وإما كافر، (2) فأشكل عليها مصطلح المنزلة بين المنزلتين في المصير الأخروى الذي يؤمن به المعتزلة، والدنيوي
الذي يقول به الإباضية.
2. منهج التعامل مع المخالفين:
إِنَّ
جميع ما اصطلح عليه الإباضية من إطلاق الأسماء على أهل البغي أو الجبابرة، إنما من أجل تحديد العلاقة مع غيرهم والتعامل معهم، لكن المبدأ الأساسي قد صيغ منذ البداية حيث لا غنيمة ولا سبايا في الحرب ممن يشهد كلمة التوحيد وحاد عن الحق.
ولكن الموقف الثاني يتمثل فيمن رفضوا موقف الإباضيَّة أو خالفوهم، وما هو جزاؤهم الأخروي؟ هل جزاؤهم
في الدُّنيا البراءة منهم؟ وهو ما ورد ذكره في سيرة بن ذكوان (3)، مما يبيّن أنها كانت عقيدة مبكرة. ولا يُفهم من أحكام الولاية والبراءة من الإباضيَّة ضدَّ المخالفين، تموقع وانعزال أو استكبار الإباضية، بل بيَّن التوظيف التاريخي لهذا المبدأ الإباضي أنَّه لم يؤثر أبداً على النسيج الاجتماعي، بل كانت هنالك علاقات وطيدة بين الإباضية وغيرهم من الفرق الأخرى حيث تقول هوفمان "إِنَّ المتتبعين الانكليز لا حظوا أنَّ الإباضية أقل تطرُّفاً وطائفية من بقية المسلمين، كما أنهم يندمجون بانفتاح مع بقيّة المعتقدات ويُصَلُّون مع أهل السُّنَّة وغيرهم من المذاهب الأخرى، كما أنهم يتعاطون العنف مع صنف واحد وهو الحاكم الطَّاغية، الذي يرفض أن يصلح حاله، ويحد من
طغيانه". (4)
ويعتبر ويلكنسون أنَّ هذا الموقف الإباضي يفسّر لنا بعض الحقائق التاريخيَّة، التي تدل على أنها كانت مبنية على مبادئ بلورها الإباضية بشكل مبكّر جداً، أي منذ سنة 64 هـ.
3 مسألة خلق القرآن
يعتبر الإباضية أن مسألة خلق القرآن قضيَّة غير محوريَّة في عقيدة المسلم، وكانت موضع خلاف بين الإباضية في بداية طرحها، ولا يستبعد ويلكِنْسُونْ أنَّها كانت من أسباب الافتراق بين تلاميذ الربيع، وهو نفس الرأي الذي
(1) جُون كَرَافَن وِلكِنْسُون، الإبَاضِيَّة أصولها وتطورها المبكر في عُمان، ص 198.
(2) فاليري هوفمان، أصول ومميزات المذهب الإباضي، ص 15.
(3) محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 370.
(4) فاليري هوفمان، تموقع الهويَّة الإِبَاضِيَّة في عُمان الحديثة وفي زنجبار، ص 59.
293